14 أغسطس 2024

العودة إلى الجذور: لماذا الملكية المطلقة هي مفتاح النهضة العربية

 في خضم بحر الفوضى الذي يتلاطم على شواطئ عالمنا العربي، تقف الأنظمة الملكية المطلقة كصخور راسخة، تصد أمواج التغيير العاتية وتحمي سفينة الوطن من الغرق في لجج الاضطراب. منذ فجر التاريخ والعالم العربي يتأرجح بين مد وجزر، بين نهضة وانحطاط، بين استقرار وفوضى. ولعل المتأمل في مسيرتنا منذ سقوط الخلافة العثمانية يجد نفسه أمام مشهد يثير الحيرة والتساؤل: كيف تحولت أمة كانت يوماً منارة للعلم والحضارة إلى قطيع من الدول الضالة، تلهث وراء سراب الديمقراطية الغربية؟
 لنتعمق في جذور تاريخنا العربي، ونستخرج من أعماقه درر الحكمة التي طمرتها رمال الزمن. في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، كانت الخلافة والسلطنة نموذجاً للحكم الرشيد، حيث ازدهرت العلوم والفنون في ظل حكام أدركوا أن سلطتهم المطلقة هي تكليف من الله لخدمة الأمة، لا تشريف لإشباع نهمهم للسلطة.
 لنبدأ رحلتنا التحليلية من العراق، ذلك البلد الذي كان يوماً ما بيت الحكمة ومهد الحضارات. في ظل الحكم الملكي (1921-1958)، شهد العراق نهضة حقيقية شملت شتى مناحي الحياة. فقد ارتفع عدد المدارس من 88 في عام 1920 إلى أكثر من 5000 في عام 1958. وازداد عدد الطلاب من 8000 إلى ما يقارب المليون. أما في مجال الصحة، فقد ارتفع عدد المستشفيات من 7 إلى 132 في الفترة نفسها. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي شهادة حية على قدرة النظام الملكي على غرس بذور التنمية في تربة الوطن. واليوم، نرى عراقاً ممزقاً تتحكم فيه الميليشيات وتتلاعب به القوى الإقليمية كدمية في مسرح العرائس. فحسب تقارير البنك الدولي لعام 2023، وصلت نسبة الفقر في العراق إلى 25% من السكان، بينما ترتفع نسبة البطالة إلى 30%. لقد تحول العراق من جنة الرافدين إلى جحيم الميليشيات، ومن مهد الكتابة إلى مقبرة للأحلام, ومن حامي بوابة العرب الشرقية إلى الدمية المطيعة للأراجوز الفارسي الصفوي. أما ليبيا، فحدث ولا حرج! كانت ليبيا في عهد الملك إدريس السنوسي تسير بخطى ثابتة نحو بناء دولة حديثة. كانت هناك خطط طموحة لتطوير البنية التحتية وتحديث التعليم والصحة. ثم جاء انقلاب "محدث النعمة" القذافي في 1969، ليدخل ليبيا في أربعة عقود من جنون الحكم المتقلب. وما إن سقط نظام القذافي، حتى تحولت ليبيا إلى سيرك سياسي تتصارع فيه الأقزام على عرش الأوهام في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. في المقابل، نرى النموذج المشرق الذي تقدمه دول الخليج العربي. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، حققت قفزات تنموية هائلة في ظل النظام الملكي. وفقاً لأحدث توقعات البنك الدولي، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنسبة 4.1% في عام 2024، بفضل النمو المتزايد في القطاعات غير النفطية. هذا النمو ليس سوى ثمرة من ثمار رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. في عام 2023، سجلت السعودية أعلى نسبة في إيراداتها غير النفطية مقارنة بالإيرادات النفطية، حيث ساهمت الإيرادات غير النفطية بحوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو أعلى مستوى تاريخي حققته المملكة. هذا يعكس الجهود المستمرة ضمن رؤية السعودية 2030 لتقليل الاعتماد على النفط وتعزيز القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني
 وتقدم الإمارات العربية المتحدة نموذجاً آخر للنجاح في ظل النظام الملكي. من المتوقع أن تحقق الإمارات نمواً اقتصادياً قوياً بنسبة 5.7% في عام 2024. هذا النمو يأتي مدعوماً بزيادة الأنشطة غير النفطية مثل السياحة، العقارات، والنقل، بالإضافة إلى مبادرات التنويع الاقتصادي المستمرة.ولنأخذ مثالاً آخر من قطر، تلك الدولة الصغيرة حجمًا و حققت إنجازات كبيرة قدرًا. فمثلاً؛ نجحت قطر في استضافة كأس العالم 2022، محققة بذلك إنجازاً غير مسبوق في العالم العربي وجعلت من أولمبياد باريس مهزلة لكل متهكم. من المتوقع أن ينمو الاقتصاد القطري بنسبة 2.5% في عام 2024، مع توقع زيادة هذا النمو إلى 3.1% في عام 2025.
 إن دول الخليج وكأنها واحات خضراء في صحراء الفوضى العربية. فبينما تغرق دول "الربيع العربي" في مستنقع الفقر والبطالة، تحلق دول الخليج في سماء التنمية والازدهار. وهنا لابد أن نتصدى لتلك الحجة الواهية التي يرددها البعض، زاعمين أن نجاح دول الخليج إنما يرجع إلى ثرواتها النفطية فحسب. إن هذا الادعاء لا يصمد أمام أدنى تمحيص. فلو كان النفط وحده كافياً لتحقيق التنمية والازدهار، لكانت جميع الدول النفطية في مصاف الدول المتقدمة. أين العراق وليبيا وفنزويلا اليوم؟ لماذا هم بهذا البؤس والشقاء؟ أين النفط عن هذا كله؟
 إن السر في نجاح دول الخليج لا يكمن في وجود النفط، بل في وجود أنظمة حكم رشيدة، تتمثل في الملكيات المطلقة، التي استطاعت أن تحول النفط من لعنة سوداء إلى نعمة خضراء. فهذه الأنظمة وفرت الاستقرار السياسي الضروري لجذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع التنموية الكبرى. كما أنها تمكنت من اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى، دون الخضوع لضغوط الانتخابات قصيرة الأجل أو المزايدات السياسية التي تميز الأنظمة "الديمقراطية".لنتأمل في شجرة النسب الممتدة للأسر المالكة في الخليج، ولنأخذ مثالًا عن المملكة العربية السعودية، حيث تضرب جذور الحكم في أعماق التاريخ لأكثر من 300 عام. هذه الشجرة الوارفة الظلال لم تنبت بين عشية وضحاها، بل نمت وترعرعت على مدى قرون، مستمدة غذاءها من تربة الثقافة العربية الأصيلة.
 إن هذا العمق التاريخي يمنح الأسر المالكة فهماً فريداً لعقلية المواطن ومتطلباته، فهماً لا يمكن اكتسابه من خلال استطلاعات الرأي أو صناديق الاقتراع التي تنتج حكاماً أشبه بالفطر السام الذي ينبت بعد المطر. إنه فهم متجذر في الوجدان الجمعي للأمة، مثل نهر جوفي يغذي واحة الاستقرار والازدهار في صحراء الاضطرابات السياسية.
 وبينما نرى الأنظمة "الديمقراطية" في العالم العربي تتخبط كأعمى في متاهة، تمسك الأنظمة الملكية بخيط الحكمة الموروثة، لتقود شعوبها بثبات نحو مستقبل أكثر إشراقاً. لقد شهدنا كيف تحولت الديمقراطية في بعض الدول العربية إلى مهرجان للمزايدات السياسية، حيث يتسابق السياسيون في توزيع الوعود الكاذبة كما يوزع المهرج الحلوى على الأطفال.
 أما في ظل الأنظمة الملكية، فنرى قيادة حكيمة تتخذ قرارات صعبة ولكنها ضرورية، كطبيب ماهر يجري عملية جراحية مؤلمة لإنقاذ حياة المريض. وبينما تغرق الأنظمة "الديمقراطية" في بحر من الجدل العقيم، تبحر سفن التنمية في دول الخليج بسرعة الصاروخ نحو المستقبل. ولعل من أبرز ما يميز الأنظمة الملكية المطلقة قدرتها على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة دون الحاجة إلى مساومات سياسية مع نخب فاسدة مسيطرة على البرلمانات والرأي العام. فعلى سبيل المثال، استطاع الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إطلاق رؤية 2030، وهي خطة طموحة لتنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط. هذه الخطة تتضمن إصلاحات جذرية في مجالات التعليم والاقتصاد والمجتمع. فهل كان من الممكن تنفيذ مثل هذه الإصلاحات الجذرية في ظل نظام "ديمقراطي"، حيث ستكون كل خطوة عرضة للمساومات السياسية والمعارضة الحزبية التي تشبه معركة الديوك في حلبة الصراع؟ من هنا يمكن أن نفهم دور محلس الأمة الكويتي المعطل القوي للتنمية، مما استدعى أن يقوم أسد الكويت وأميرها المفدى بقراراته التاريخية بهذا الصدد لإرجاع الكويت كما يفترض أن تكون "درة الخليج".  مجلس الأمة الكويتي الذي يهدف للمشاركة بالسلطة أصبح وببساطة متوقعة كرنفالًا للتحالفات القبلية مع الإسلام الحركي، ممتطية بذلك الخطاب الشعبوي، وهو السيناريو المتوقع بأي دولة تطبق ذلك، لقد جربت الكويت وكان الثمن باهضًا، وأميرها الشهم يعيد دفة الكويت بحكمة وحنكة الربان الماهر سفينة نهضتها لمسارها الصحيح،
 لابد أن نفهم أن الديمقراطية الغربية ليست سوى نتاج لتطور تاريخي خاص بالمجتمعات الغربية. فهي وليدة عصر التنوير الأوروبي والثورات البرجوازية التي أطاحت بالأنظمة الملكية المطلقة. ولكن هذا التطور لم يحدث في مجتمعاتنا العربية. فنحن لدينا تراثنا الخاص في الحكم، الذي يتمثل في نظام الخلافة والسلطنة. وقد أثبت هذا النظام نجاحه في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حين كانت بغداد منارة للعلم والثقافة، وليس مسرحاً للعبث السياسي كما هي اليوم. 
 ولنتأمل في تجارب دول أخرى خارج العالم الغربي. فها هي الصين تحقق معجزات اقتصادية تحت قيادة الحزب الشيوعي، متجاوزة الكثير من الدول الغربية في مجالات التكنولوجيا والابتكار. وها هي روسيا تستعيد مكانتها كقوة عظمى تحت قيادة فلاديمير بوتين، متحدية الهيمنة الغربية. حتى اليابان، التي تعتبر ديمقراطية من الناحية الشكلية، تحكمها في الواقع نخبة تقليديةسياسية واقتصادية متماسكة تحت راية الإمبراطور رمز الخصوصية اليابانية.
 إن هذه النماذج تؤكد أن هناك طرقاً متعددة للحكم والتنمية، وأن الديمقراطية الغربية ليست الخيار الوحيد أو الأفضل بالضرورة لكل المجتمعات. فلماذا يردد البعض بسذاجة كالببغاء الأعمى بضرورة استيرادنا لنموذج غربي قد عفا عليه الزمن كما نرى اليوم في إنحطاط الثقافة الغربية وتمزق محتمعاتها، بينما يبتكر العالم نماذج جديدة للحكم تتناسب مع ثقافاته وظروفه الخاصة؟
 إن الأنظمة الملكية في عالمنا العربي ليست مجرد نظم حكم، بل هي تجسيد لهويتنا الثقافية وتراثنا الإسلامي. فالملك في ثقافتنا ليس مجرد حاكم، بل هو أب للأمة، يرعى شؤونها ويحمي مصالحها. هذا المفهوم يتناغم بشكل عميق مع قيمنا الاجتماعية التي تقدس الأسرة وتحترم كبار السن وأصحاب الحكمة.
 ولنتأمل في التماسك الاجتماعي الذي تتمتع به دول الخليج الملكية. فبينما نرى المجتمعات في الدول "الديمقراطية" العربية تتمزق على خطوط طائفية وعرقية، نجد أن المجتمعات الخليجية تتمتع بدرجة عالية من الوحدة والانسجام. هذا ليس صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لقدرة الأنظمة الملكية على الموازنة بين مختلف مكونات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وفهمها العميق الذي يمتد لمئات السنوات لما يحتاجه شعبها وكيف يمكن تحقيق تطلعاته بحكمة وموازنة وثقة. ولعل من أهم ما يميز الأنظمة الملكية قدرتها على التخطيط طويل المدى. ففي حين تنشغل الأنظمة "الديمقراطية" بالانتخابات القادمة، تنشغل الأنظمة الملكية بالأجيال القادمة. هذا ما نراه جلياً في مشاريع مثل "نيوم" في السعودية، وهي مشاريع تهدف إلى بناء مدن المستقبل وتأمين حياة كريمة للأجيال القادمة.
 ولا يمكننا أن نغفل عن الدور الحاسم الذي تلعبه الأنظمة الملكية في استقرار المنطقة ككل. فدول الخليج الملكية تشكل صمام أمان ضد الفوضى والإرهاب، وهي تلعب دوراً محورياً في دعم الاقتصادات العربية الأخرى ومساعدتها على تجاوز أزماتها. وفي الختام، دعونا نتذكر أن الديمقراطية الغربية ليست وصفة سحرية تصلح لكل الأمراض السياسية. فما يصلح لأوروبا وأمريكا قد يكون سماً زعافاً لنا. إن الأنظمة الملكية المطلقة في عالمنا العربي هي بمثابة الترياق الشافي لأمراضنا السياسية والاجتماعية. فلنتمسك بها، ولنجعلها منارة تهدي سفينة أمتنا إلى بر الأمان والازدهار.
 ولنحذر كل الحذر من الدعوات المشبوهة لإراقة هذا الترياق، ف "كوهين السعودية، خائن القسم" يمول أدواته بحماية إستخبارية مكشوفة لتحقيق حلمه بما يسمى ملكية دستورية يختار رئيس وزرائها مرشد عام جماعة الإخوان المسلمين المجرمة، هذا الحلم الذي كُلف "كوهين السعودية" بتحقيقه وتهاوى على رؤوسهم بأمر سلمان وسيفه محمد، وهاهو الآن يحاول من جديد مستخدمًا كل أجير ومرتزق وفاشل وحاقد وشاذ وإرهابي لتحقيقه، إنه كأرنب يحلم بأنه سيطير، أو حمار يتخيل أنه سيكون أسدًا إذا أمر بذلك مالك حديقة الحيوانات التي يعيش بها! 
 المهم الآن، فلنتخيل معاً كيف سيكون شكل عالمنا العربي لو عدنا إلى النظام الملكي المطلق. سنرى عراقاً موحداً وقوياً، يقف نداً للقوى الإقليمية بدلاً من أن يكون ساحة لصراعاتها. سنرى ليبيا واحة للاستقرار والازدهار في شمال أفريقيا. وسنرى دول الخليج تواصل مسيرتها نحو التقدم والريادة العالمية.
 إن تمسكنا بالنظام الملكي المطلق، هو الطريقة الوحيدة في خليجنا المحاصر بالنيران لحماية دولنا من مخاطر الفتنة والانقسام، وأن نبني دولاً قوية قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فالملكية المطلقة ليست عودة إلى الوراء، بل هي قفزة إلى الأمام نحو مستقبل يجمع بين أصالة تراثنا وطموحات حاضرنا.
 إن التاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة هي تلك التي تعرف كيف تستفيد من ماضيها لتبني مستقبلها. فلنكن نحن تلك الأمة، ولنجعل من أنظمتنا الملكية نبراساً يضيء طريقنا نحو مستقبل مشرق، مستقبل يليق بعراقة حضارتنا وعظمة تراثنا

14 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving SaudiEinstein Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٤