الكتاب: مرثية الورق في زمن البكسل
في عصر أصبح فيه "التيك توك" ينبوع المعرفة الجديدة و"السناب شات" معقل الحكمة العصرية، يدوي تصريح إريك شميدت الرئيس التنفيذي السابق لجوجل كرعد في سماء صافية: "اقرأ 20 كتاباً قبل أن تسأل سؤالاً واحداً." وكأن شميدت، ذلك الكاهن الأعظم في معبد التكنولوجيا، يصرخ في وجه غوريلا رقمية أطلقها هو وأقرانه من قفص المختبر: "كفى! لقد خلقنا وحشاً يلتهم عقول أطفالنا بشراهة لا تُروى"!
أقف أمام مكتبتي، ذلك المتحف الشخصي لحضارة آيلة للانقراض، وأتساءل بمرارة: "ما مصير هذه الشواهد الورقية بعد رحيلي؟" أيُعقل أن يبيعها أولادي بالطن، كأنها مجرد نفايات ثقيلة تحتل مساحة ثمينة يمكن استغلالها لوضع شاشة عملاقة؟ أتخيل بسخرية لاذعة إعلاناً على "فيسبوك ماركت بلايس": "للبيع: أطنان من الحكمة القديمة. صالحة كخلفية للسيلفي أو كوقود للمدفأة في الشتاء القارس. السعر: حفنة من اللايكات".
أناجي رفاقي الصامتين بصوت مكسور: "يا "قصة الحضارة" لديورانت، هل ستتحول حضارتنا إلى مجرد إيموجي باسم على شاشة هاتف؟ وأنت يا "دراسة للتاريخ" لتوينبي، هل سيختزل التاريخ في تغريدة عابرة؟ وماذا عنك يا "شقة الحرية" للقصيبي، هل ستتقلص الحرية إلى مساحة شاشة 6 بوصات؟ أما أنت يا "الحرافيش" لمحفوظ، فهل سيتحول نضال عاشور وسلالته إلى مجرد هاشتاغ عابر؟ وأنت يا "زوربا"، هل سترقص رقصتك الأخيرة على أنغام نغمة الأيفون؟"
الإحصاءات ترسم لوحة قاتمة لمستقبل القراءة. فوفقاً لدراسات حديثة، تتراجع معدلات القراءة العميقة بسرعة مخيفة، كأنها جليد القطب الشمالي في زمن الاحتباس الحراري الفكري. جيل كامل ينشأ دون أن يعرف نشوة الغوص في بحار الكلمات، أو لذة اكتشاف جزيرة فكرية جديدة بعد إبحار طويل بين الصفحات.
ذاك أنّ ما يثير المرارة أننا، في زمن مضى، كنا نحارب طواحين الرقابة للظفر بكتاب. كنا نقف في طوابير أطول من كل قوائم الانتظار لدخول الجنة المعرفية، ننتظر بشغف محموم لنسرق بضع صفحات من كتاب نادر. كانت رحلاتنا إلى القاهرة حجاً ثقافياً، نطوف حول كعبة المعرفة السرية في مكتبة مدبولي، نبحث عن "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ كما يبحث الصوفي عن لحظة الوصال.
واليوم، في زمن الوفرة الرقمية، نجد أنفسنا أمام مفارقة مأساوية. كيف لجيل يملك مكتبة "دار الحكمة" في جيبه أن يفضل مشاهدة قطط ترقص على أنغام موسيقى شعبية؟ ما يثير الضحك المرير أن هذا الجيل، الذي يشاهد مسلسلاً بالعربية الفصحى وكأنه يفك طلاسم الهيروغليفية، هو نفسه الذي سيواجه تحديات عصر الذكاء الاصطناعي، بدون نقد أو تحليل عميق أو تفكير نقدي، أدوات العصر الجديد كما أوضح شميدت بمحاضرته.
في هذا العصر الرقمي، تتنبأ الدراسات بأن 95% من التفاعلات مع العملاء ستتم بواسطة الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025. فهل سنفقد ما يميزنا كبشر؟ هل ستصبح القراءة العميقة أثراً من آثار الماضي، كالديناصورات وأجهزة البيجر والفاكس؟
لعلّ صرخة شميدت للعودة إلى الكتب ليست مجرد حنين عجوز لزمن ولّى، بل هي نبوءة "كاسندرا" في عصر الرقمنة. إنها إدراك عميق أن التكنولوجيا، بكل سحرها، لا يمكنها أن تحل محل سحر الكلمة المكتوبة. في عالم تتحول فيه العقول إلى خوادم بيانات، قد تكون قدرتنا على التفكير النقدي والعميق هي آخر حصوننا ضد غزو الخوارزميات.
فهل سنفيق، قبل أن يدق الناقوس الأخير، لندرك أن الكتاب ليس مجرد وعاء للمعلومات، بل هو مرآة للروح البشرية؟ أم أننا سنستمر في الغرق في محيط السطحية الرقمية، حتى نصبح مجرد ظلال باهتة لذواتنا؟
ذاك أنّ المفارقة الأكثر سخرية هي أننا، في عصر المعلومات، نقف على حافة عصر جديد من الجهل - جهل معلوماتي- مغلف بوهم المعرفة. فهل سنستيقظ من غيبوبتنا الرقمية قبل أن نتحول إلى مجرد هوامش في كتاب الحضارة الإنسانية، أم أننا سنرضى بأن نكون مجرد إيموجي باسم على صفحة التاريخ؟
والحال أنّ الإجابة، للأسف، قد لا تكون أطول من مدة انتباه مستخدم "تيك توك" لمقطع الكلب الراقص أو القطة حين تفر من الفأر أو بث مباشر لعظماء يقولون لمشاهديهم المتحمسين "كبسوا". بيد أنّ هذا المشهد الهزلي يكشف عن مأساة أعمق: ذاك أنّ عقولنا، التي كانت يوماً قادرة على استيعاب ملاحم هوميروس وفلسفة أرسطو وديكارت وملاحم الجابري مع حسن حنفي، باتت اليوم تلهث وراء ومضات رقمية لا تُسمن ولا تغني من جوع. ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً أنّنا، في خضم هذا الطوفان المعلوماتي، نغرق في بحر من الجهل المركّب، متوهمين أنّنا نسبح نحو شواطئ المعرفة.