بين البيروقراطية والابتكار: كيف تعثرت جوجل في مواجهة الشركات الناشئة
تخيل معي للحظة أنك في قلب وادي السيليكون عام 2004. ترى لاري بيج وسيرجي برين، مؤسسي جوجل، يتخذان قرارات جريئة بسرعة البرق، يطلقون منتجات ثورية كل بضعة أشهر.
والآن، انتقل معي إلى عام 2024. على يمينك، مهندس في جوجل يغادر مكتبه بعد الظهيرة للقاء زوجته في جلسة اليوجا، تقول له سأشتاق لك غدًا، يرد: لاتقلقين، سأرسل لهم الكود بالايميل أنسيتي اننا نتمتع بميزة العمل عن بعد؟
تلتفت إلى يسارك، فريق من OpenAI يعمل بحماس على مدار الساعة، يطورون الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.
هذه المشاهد تلخص بدقة المعضلة التي أثارها إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لجوجل، في تصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل. قال شميدت بصراحة: "جوجل قررت أن توازن الحياة والعمل والعودة إلى المنزل مبكراً والعمل من المنزل كان أكثر أهمية من الفوز"، وأضاف: "السبب في نجاح الشركات الناشئة هو أن الناس يعملون بجد شديد."
لكن هل المشكلة حقاً في ساعات العمل المرنة، أم أن هناك قصة أعمق؟
يقول أحد موظفي جوجل السابقين: "في الماضي، كنا نتخذ القرارات في غضون أيام. الآن، قد يستغرق الأمر أشهرًا لمجرد الموافقة على فكرة جديدة.". هذه الشهادة تلخص التحول الدراماتيكي في ثقافة الشركة.
لنبدأ بالأرقام. وفقاً لتقرير "AI Index 2024"، أظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي المغلقة، مثل تلك التي طورتها OpenAI، ميزة أداء بنسبة 24.2% على نظيراتها المفتوحة. في الوقت نفسه، كانت جوجل تكافح لإطلاق منصة "Gemini" المنافسة. هذه الفجوة في الأداء ليست مجرد أرقام؛ إنها تعكس تحولاً جذرياً في ميزان القوى في عالم التكنولوجيا.
يشير المحللون إلى عدة عوامل وراء تراجع جوجل. أبرزها البيروقراطية المتزايدة التي أبطأت عملية اتخاذ القرار، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أن التركيز المتزايد على الجوانب المالية والنموذج المربح لدعايات جوجل على حساب الابتكار، أدى إلى تأخر الشركة في مجالات كانت رائدة فيها سابقاً. لكن هناك عامل آخر يلوح في الأفق: التحول في أسلوب الإدارة. منذ انتقال القيادة من المؤسسين إلى الإدارة التنفيذية الحالية، أصبحت جوجل أقل ميلاً لاتخاذ القرارات الجريئة التي كانت تميزها سابقاً.
وفقاً لدراسة من "McKinsey"، حققت الشركات التي تبنت الذكاء الاصطناعي مبكراً زيادات في الإيرادات تتجاوز 10% في بعض القطاعات. جوجل، بتأخرها، فوتت على نفسها هذه الفرصة الذهبية. لكن دعونا نطرح السؤال الأهم: هل الحل حقاً في العودة إلى ثقافة العمل المرهقة؟ أم أن الحل يكمن في إعادة اختراع الذات والتفكير خارج الصندوق؟
لنأخذ مثالاً من عالمنا العربي: مطعم شهير في الرياض يواجه منافسة من مطعم صغير مبتكر. هل المشكلة في ساعات عمل الطهاة أم في بطء تكيف المطعم الكبير مع الاتجاهات الجديدة؟ هذا يعكس تماماً تحدي جوجل اليوم.
لاستعادة ريادتها، قد تحتاج جوجل إلى اتخاذ خطوات جريئة. أولاً، يمكنها إنشاء "وحدات ابتكار" صغيرة ومستقلة داخل الشركة، تتمتع بحرية اتخاذ القرار وسرعة التنفيذ. ثانياً، قد تستفيد من تبني نموذج "الفشل السريع"، حيث يتم تشجيع التجريب وتقبل الأخطاء كجزء من عملية التعلم. أخيراً، يمكن لجوجل إعادة النظر في هيكلها الإداري، بتقليص الطبقات البيروقراطية وتمكين الموظفين من اتخاذ قرارات أسرع.
لكن دعونا نكون واقعيين. هل تخيلت يوماً أن تطلب من "بعير" أن يدخل مسابقة الجمباز؟ هذا بالضبط ما قد تواجهه جوجل في تنفيذ هذه الحلول. فإنشاء وحدات ابتكار صغيرة داخل هيكل عملاق قد يكون أشبه بزراعة واحة في صحراء بيروقراطية. وتبني "نموذج الفشل السريع" في شركة اعتادت على النجاح المستمر؟ قد يكون كمحاولة تعليم قط السباحة، ممكن، لكنه سيقاوم بكل ما أوتي من قوة!
في النهاية، قد نكتشف أن الفوز في سباق الابتكار لا يتعلق بعدد ساعات العمل، كما يشير شميدت، بل بكيفية استثمار تلك الساعات في خلق المستقبل.
السؤال الآن: هل ستتمكن جوجل من كسر قيود البيروقراطية وإعادة اكتشاف روح الابتكار التي ميزتها في البداية؟ أم أننا نشهد نهاية حقبة وبداية أخرى، حيث تقود الشركات الصغيرة والمرنة الطريق في عالم التكنولوجيا؟
الساعة تدق، وعالم التكنولوجيا لا ينتظر، حتى لو كان عملاقاً بحجم جوجل. والإجابة، كما يقول مبرمجو الذكاء الاصطناعي، قد تكون مجرد خوارزمية بعيدة. لكن الأكيد أن الفائز في هذا السباق سيكون من يجد التوازن الأمثل بين السرعة والاستدامة، بين الابتكار ورفاهية الموظف. فهل ستكون جوجل هي من يعيد تعريف معنى النجاح في القرن الحادي والعشرين؟ أم أنها ستصبح مجرد فصل في كتاب تاريخ التكنولوجيا، يقرأه أحفادنا ويتساءلون: كيف سقط هذا العملاق؟
اللقاء مترجمًا:
6 دقيقة قراءة
الكاتب
اينشتاين السعودي
@SaudiEinestine
مشاركة المقالة عبر
Leaving SaudiEinsteinYour about to visit the following urlInvalid URL