من الجيب إلى العالم: رحلة آيفون من هاتف إلى هوية رقمية
تخيل أنك تستيقظ في صباح يوم من عام 2030 في الرياض. هاتفك يهمس: "صباح الخير. الطقس اليوم مشمس، ودرجة الحرارة 25 مئوية. فطورك جاهز في المطبخ." بنقرة واحدة، تفتح ستائر غرفتك، وتضبط حرارة الحمام. سيارتك الذاتية القيادة تنتظرك في الأسفل. وعندما تمر بمقهى د. كيف، يصلك إشعار: "قهوتك المعتادة جاهزة. هل ترغب بإضافة قطعة كعكة الليمون كالمرة الماضية؟" تومئ برأسك، ويتم خصم المبلغ تلقائياً من محفظتك الرقمية.
هذا ليس خيالاً علمياً، بل واقع قريب جداً مع إطلاق آبل لنظام التشغيل iOS 18.1. لكن ما الذي يجعل هذا الإعلان ثورياً حقاً؟ الإجابة تكمن في تقنية بسيطة ولكنها ثورية تسمى العنصر الآمن (SE).
لنبسط الأمر: تخيل أن هاتفك يحتوي على خزنة سرية صغيرة، محصنة بأقوى الأقفال الرقمية. هذه الخزنة - أو العنصر الآمن - تحتفظ بمعلوماتك الشخصية وبياناتك المالية بأمان تام. عندما تحتاج لاستخدام هذه المعلومات، مثلاً لفتح باب سيارتك أو دفع ثمن قهوتك، تفتح الخزنة للحظات، ترسل المعلومات المشفرة عبر إشارة لاسلكية قصيرة المدى (NFC)، ثم تغلق بإحكام. كل هذا يحدث في أجزاء من الثانية، وبمستوى أمان يفوق ما تقدمه معظم البنوك.
ما يجعل إعلان آبل ثورياً هو أنها فتحت هذه الخزنة للمطورين من جميع أنحاء العالم. قبل هذا الإعلان، إذا أردت استخدام هاتفك كبطاقة ائتمان أو مفتاح سيارة، كان عليك استخدام Apple Pay أو Apple Wallet. الآن، يمكن لأي مطور إنشاء تطبيقه الخاص للقيام بهذه المهام وأكثر.
في السعودية، يمكن لهذه التقنية أن تُحدث ثورة في حياتنا، خاصة مع تطبيق "توكلنا خدمات". تخيل أنك تدخل الحرم المكي بمجرد تمرير هاتفك على البوابة، أو تستلم سيارتك المستأجرة في مطار الملك خالد الدولي دون الحاجة للوقوف في طوابير. في جامعة الملك سعود، قد يستخدم الطلاب هواتفهم للدخول إلى قاعات المحاضرات وتسجيل حضورهم تلقائياً.
مع تكامل العنصر الآمن (SE) مع "توكلنا خدمات"، لن تحتاج لإدخال كلمة مرور أو الانتظار لتلقي رمز تحقق عبر الرسائل القصيرة. بدلاً من ذلك، يكفيك تمرير هاتفك أمام قارئ NFC، ليتم التحقق من هويتك فوراً. يمكنك استخدام هذه الهوية الرقمية للدخول إلى المباني الحكومية، دفع الرسوم، وحتى التسوق الإلكتروني، كل ذلك بتمريرة واحدة لهاتفك.
يقول صديق لي يعمل في شركة علم: "هذا القرار من آبل يفتح الباب على مصراعيه للابتكار. نحن الآن نستطيع تطوير حلول محلية تناسب احتياجاتنا الخاصة، دون الاعتماد على نظام آبل المغلق."
لكن هذه الحرية تأتي مع مسؤولية كبيرة. آبل لن تسمح لأي مطور بالوصول إلى هذه التقنية الحساسة. يجب على المطورين توقيع اتفاقية تجارية مع آبل، والحصول على تصريح خاص، ودفع رسوم مرتبطة بذلك. هذه الشروط تضمن أن فقط المطورين الموثوقين، الذين يلتزمون بمعايير الأمان والخصوصية الصارمة، يمكنهم استخدام هذه التقنية.
في سياق رؤية 2030، يُعد تكامل الهوية الرقمية مع خدمات "توكلنا" جزءًا أساسيًا من تحقيق تحول رقمي شامل في المملكة. هذا التحول الرقمي سيُعزز من فعالية الإدارة الحكومية، وسهولة الوصول إلى الخدمات، ويجعل المملكة في طليعة الدول التي تقود الثورة الرقمية على مستوى العالم.
لكن مع كل ثورة تقنية، تأتي التحديات. يحذر أحد الأصدقاء الخبراء في الأمن السيبراني في شركة سايت : "مع تركيز المزيد من البيانات الحساسة في أجهزتنا، نحتاج إلى يقظة أكبر ضد التهديدات الإلكترونية. على المطورين والمستخدمين على حد سواء فهم المخاطر وكيفية حماية أنفسهم."
لضمان نجاح هذا التحول، يجب الاستثمار في التعليم. تطوير مناهج تركز على المهارات الرقمية، وأمن المعلومات، والذكاء الاصطناعي سيضمن أن الجيل القادم من السعوديين ليس فقط مستخدمًا لهذه التقنيات، بل قائدًا في تطويرها.
الكرة الآن في ملعبنا. فلنجعل من هواتفنا أدوات لبناء مجتمع أذكى وأكثر تكاملًا، لا مجرد أجهزة للتسلية.
وهكذا، فإن الرحلة من الجيب إلى العالم قد بدأت. كل نقرة على شاشة هاتفك اليوم هي خطوة في رسم ملامح هذا المستقبل الرقمي. فلنجعل من هذه الفرصة بداية لعصر جديد من الابتكار السعودي، عصر نكون فيه صناع التكنولوجيا، لا مجرد مستخدمين لها.
رابط الخبر:
https://t.co/twYIHmwfe9