تخيل أنك تستيقظ صباحًا عام 2030، تفتح هاتفك لتجد إشعارًا يقول: "تحذير: احتمال 78% لإصابتك بنوبة قلبية خلال الـ 18 شهرًا القادمة. زر طبيبك فورًا." هل ستهرع إلى المستشفى؟ أم ستتجاهل الرسالة معتبرًا إياها مجرد خدعة تسويقية ذكية؟
هذا السيناريو، الذي يبدو وكأنه مشهد من رواية خيال علمي، أصبح اليوم أقرب إلى الواقع مما نتخيل!
في دراسة مثيرة للجدل نُشرت في مجلة Nature Computational Science، طور فريق من العلماء الدنماركيين نموذجًا للذكاء الاصطناعي أطلقوا عليه اسم "Life2vec". هذا النموذج، بحسب الدراسة، قادر على التنبؤ باحتمالية الوفاة المبكرة بدقة تصل إلى 78% في بعض الحالات.
لكن كيف يعمل هذا "الساحر الرقمي"؟ تخيل أن حياتك كتاب مفتوح أمام خوارزمية ذكية. كل زيارة طبية، كل تغيير وظيفي، حتى عاداتك في النوم والأكل، كل ماتتخيله تماما يتم رصده ويتحول إلى بيانات يحللها "Life2vec". يقول الدكتور سون ليهمان، قائد الفريق البحثي: "نحن نعامل حياة الإنسان كنص، وكل حدث فيها كلمة في هذا النص." لنفترض أن "Life2vec" يقوم بتحليل بيانات نوره، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها. النموذج يلاحظ أن نوره قد غيرت وظائفها عدة مرات في السنوات الأخيرة، وانفصلت عن زوجها، مما يعكس مستوى عاليًا من التوتر المستمر. كما يلتقط النموذج بيانات صحية تشير إلى ارتفاع طفيف في نسبة السكر في الدم وزيادة في معدلات دقات القلب بنسبة 10% خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
بناءً على هذا التحليل، يتنبأ النموذج بزيادة خطر إصابة نوره بمرض السكري أو أمراض القلب في المستقبل القريب إذا لم يتم التحكم في مستوى التوتر الذي تعيشه. بالإضافة إلى ذلك، يظهر التحليل أن التوتر المتزايد والتغييرات المهنية المتكررة قد يدفعانها إلى الانسحاب الاجتماعي، مما يجعلها أكثر عرضة للتحول إلى شخصية انطوائية.
لكن السؤال الأهم: هل نريد حقًا معرفة مستقبلنا بهذه الدقة؟ هل هذه التكنولوجيا قد تفتح باب التمييز على مصراعيه؟ تخيل أن شركة تأمين ترفض تغطية علاجك استباقيًا لأن خوارزمية تنبأت بأنك ستصاب بمرض السرطان ماذا ستفعل؟ هل ستدفع ذلك من حسابك؟ أو ستتجاهل الموضوع؟
في عالم يزداد رقمنة، تثير هذه التقنيات مخاوف جدية حول الخصوصية. هل سيصبح كل جانب من حياتنا مكشوفًا أمام الخوارزميات؟ وماذا لو وقعت هذه البيانات الحساسة في الأيدي الخطأ؟
منظمة الصحة العالمية، في تقرير صدر عام 2021، دعت إلى وضع أطر تنظيمية صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي. لكن هل يمكن للقوانين أن تواكب سرعة التطور التكنولوجي؟
في النهاية، ربما تكمن قيمة "Life2vec" ليس في دقة تنبؤاته، بل في الأسئلة العميقة التي يثيرها. هل نحن مستعدون لمواجهة حقيقة أن مصائرنا قد تكون مكتوبة في شفرات رقمية؟ وهل سنفقد جمال الغموض والمفاجأة في الحياة إذا أصبح كل شيء قابلاً للتنبؤ؟
بينما نخطو في عصر الذكاء الاصطناعي، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على إنسانيتنا وحرية اختيارنا. فهل سنستخدم هذه التكنولوجيا لتحسين حياتنا، أم سنصبح عبيدًا لتنبؤاتها؟