حرب الظلال الرقمية: كيف تحمي السعودية حلم 2030 من قراصنة العقول
تخيل أنك تستيقظ في صباح يوم عادي في الرياض عام 2030. تفتح هاتفك لتجد أن المملكة قد تحولت بين عشية وضحاها إلى ساحة معركة رقمية. هاشتاغ # السعودية_تنهار يتصدر تويتر، صور مفبركة لاحتجاجات ضخمة تملأ إنستغرام، وفيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي لوزراء المالية والاقتصاد والبنك المركزي يعلنون إفلاس المملكة! تنتشر الشائعة على تيك توك بسرعة تفوق سرعة انتشار رمال العاصفة في صحراء الربع الخالي. هل هذه نهاية حلم 2030؟ أم أننا نشهد بداية "حرب الظلال الرقمية"؟
ما أقوله، ليس مجرد فوضى رقمية عشوائية. إنه هجوم منسق بدقة ساعة سويسرية من قبل ما أسميه "لجان الظل الإلكترونية"، وهي جيوش إلكترونية خفية، مدربة ومجهزة بأحدث التقنيات، تعمل بهمة تفوق همة عمال بناء مشروع "ذا لاين"، لكن هدفها تقويض أسس رؤية 2030 حجراً رقمياً تلو الآخر.
هل تعتقد أن هذا خيال؟ فكر مرة أخرى. ففي روسيا، هناك ما يسمى بـ "مزارع القراصنة الإلكترونيين" أو "Troll Farms"، تعمل بجد لنشر الفوضى الرقمية في جميع أنحاء العالم الغربي -حين الحاجة- كما تنشر النحل اللقاح. وفي الصين، هناك "جيش الخمسون سنت". وهو جيش من المحاربين الإلكترونيين يتقاضى كل منهم 50 سنتاً مقابل كل تعليق مضلل، وكأنهم يبيعون الأوهام بالجملة. وحتى جارتنا إيران لديها لجان إلكترونية خاصة بها، ومفرغة لنا، تعمل على مدار الساعة لنشر الدعاية وتشويه سمعة خصومها بسرعة تفوق سرعة انتشار الإشاعات في مجلس عجائز في الرياض.
لماذا نحن هدف مثالي لهذه الهجمات؟ لأن السعودية، مع 29.1 مليون "مستخدم" لوسائل التواصل الاجتماعي - أي ما يعادل ضعف كافة سكان الخليج مواطنين ومقيمين - أصبحت أكبر ساحة معركة رقمية في الشرق الأوسط. نحن نقضي في المتوسط 3 ساعات و1 دقيقة يومياً على هذه المنصات، وهو وقت كافٍ لهذه اللجان الظلامية لزرع بذور الشك والفوضى في عقولنا بسرعة تفوق سرعة بناء هيئة الترفيه لمشروع في البوليفارد.
لكن هل نحن عاجزون أمام هذا التهديد؟ بالطبع لا. يجب علينا أن نطور "المناعة الرقمية الوطنية" الخاصة بنا. تخيل معي "#الجيش_السعودي_الرقمي"؛ ليس مكوناً من جنود بالزي العسكري، بل من شباب وشابات مسلحين بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، يعملون على مدار الساعة لكشف وتفكيك هذه الهجمات الإلكترونية بدقة وتركيز تفوق صناع العطور في الطائف.
تخيل أن كل طفل سعودي يتعلم "فنون الحرب الرقمية" في المدرسة، كما يتعلم الرياضيات واللغة العربية. تخيل أن لدينا "منصة وطنية للتحقق من الحقائق"، منصة متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، تمكن كل مواطن من التحقق من أي خبر بنقرة زر واحدة، بسرعة تفوق سرعة العثور على إبرة في كومة قش رقمية.
فكر بالأمر هكذا: إذا كان المغرد السعودي دون ترتيب أو وجود جهات توعوية وتدريبية قد تصدى لوحده لأكبر حملة تشويه منظمة في العالم، حتى أصبح المغرد السعودي الرقم الصعب عالمياً، حاولوا تشويهه بكل الطرق بوصفه "ذباب إلكتروني" أو "وطنجي"، وتطول القائمة، والمغرد السعودي شامخ مثل جبال طويق لا تهزه عواصف أو "عجاج"؛ فكيف إذا تم ترتيب وحوكمة هذا الجهد بجهة مختصة تتولى زمام "حروب الشائعات الرقمية"؟
ولكل من يظن أنني أضخم الموضوع، فلنتذكر ما نشهده كل عام مع انطلاق موسم الرياض. هل لاحظتم كيف تبدأ الشائعات في الانتشار مع بداية كل موسم؟ فجأة، تمتلئ وسائل التواصل بمقاطع فيديو "مسربة" لمقاهٍ تقدم الخمور في قلب الرياض، أو راقصات يتمايلن في مطاعم العوائل، ثم يتبين أن المقاطع المزعومة هي في دول أخرى قريبة كانت أم بعيدة.
هل وقعت في فخ تصديق هذه المقاطع من قبل؟ لا تشعر بالحرج، فقد وقع فيه الكثيرون. لكن دعني أسألك: ألم تلاحظ نمطًا معينًا في توقيت ظهور هذه المقاطع وطريقة انتشارها؟ ألم تتساءل لماذا تظهر هذه "الفضائح" دائمًا في نفس الوقت من كل عام، كما لو كانت موسمًا آخر يتزامن مع موسم الرياض؟
وهنا يأتي السؤال الأهم: ألم يحن الوقت لنطور مناعة ضد هذه الحملات؟ كيف يمكن أن نقع في نفس الفخ عامًا بعد عام ثم تتضح الحقيقة كالمعتاد؟
هذه الحملات ليست مجرد إزعاج سنوي. إنها اختبار لذكائنا الجمعي، لقدرتنا على التفكير النقدي. كل مرة نقع فيها في هذا الفخ، نمنح أعداءنا نصرًا صغيرًا. وكل مرة نكشف زيف هذه الحملات ونرفض المشاركة فيها، نبني حصنًا رقميًا أقوى حول وطننا وقيمنا.
لاشك لدي أن المعركة الحقيقية ليست في الفضاء الإلكتروني، بل في عقولنا. نحن على مفترق طرق: إما أن نكون فريسة في حرب الظلال الرقمية، أو نتحول إلى قوة في الدفاع الرقمي. هل سنسمح "للجان الظل الإلكترونية" بسرقة حلم 2030؟ أم سنطور "مناعتنا الرقمية" لنصبح قادة في عالم رقمي جديد، كما كان أجدادنا قادة في بناء إمبراطورية العرب والإسلام؟
بالمناسبة: أخشى أن يكون عنوان المقال القادم: وسوى الروم خلف ظهرك روم !
واللبيب بالإشارة يفهمُ.