ثمّة في تقاليد الجدل العربي ظاهرة لا تخطئها العين: حين تُحاصَر الحجة بالوقائع، تلجأ إلى التجريد. وحين يعجز النصّ عن مواجهة الأرقام، يتسلق سلم الفلسفة السفسطائية ويُطل من شرفتها على خصمه بنظرة المتعالي الذي "يرفض النزول إلى هذا المستوى". هذا بالضبط ما فعلته الدكتورة الكتبي في ردّها الثاني؛ ألفُ كلمة من البخور النظري لتغطية حقيقة واحدة بسيطة: أنها لم تُجب على سؤال واحد في مقالي ولم تفند حتى نقطة واحدة؛ واحدة فقط!
والحال أن من يقرأ الرد بعناية الجراح لا بعجلة المتفرج، يكتشف أنه لا يُشبه ردّ باحثة على نقد، بل يُشبه بيان مؤسّسة كُتب بإنشاء يتنكر في لباس الأكاديمية؛ لأنّ النبرة ليست نبرة من يُدافع عن فكرة بل نبرة من يُدافع عن مشروع؛ ومن يعرف طبيعة “مركز الإمارات للسياسات” يعرف أن المسافة بين الباحث والموظف "الأمني" هناك لا تتجاوز عرض بطاقة الراتب. وليس في الأمر أكاديمية حقيقية ولو بمقدار ذرة؛ إنه سفسطة وشعارات فضفاضة ألبستها صاحبته عباءة المصطلح الغربي لتبدو رصينة؛ كمن يضع نظارة طبّية بلا عدسات ويدّعي أنه يقرأ. حين يتحوّل النقاش إلى هذا المسرح، فاعلم أن القلم ليس حراً بل مُكلفاً، والغرض ليس المعرفة بل التغطية.
والمقال مبني على حيلة مركزية واحدة سمّاها البلاغيون "الهروب إلى الأعلى": كلّما ذكر مقالي واقعة محدّدة – رقماً، حدثاً، اسماً، تاريخاً – صعدت هي درجة في سلّم التجريد والعبارات الفضفاضة الإنشائية: "الجغرافيا لا تحارب"، "المواطنة علاقة لا رقم"، "القوة تُختبر لا تُعلن". هذه ليست إجابات؛ هذه ستائر دخان تلبس لباس الأكاديمية لإخفاء حقيقة أنّ المقال لم يُلامس -ولو بإصبع واحد- أياً من الوقائع التي طرحتُها. مقالي يعمل بالمشرط: وثائق، تواريخ، نِسَب، أسماء. ردّها يعمل بالبخاخ: تعميمات سفسطائية وعبارات وشعارات بلا مرجع ولا عنوان.
فلنبدأ من حيث بدأت هي، من اتهامي بـ"محاكمة النوايا بدل تفكيك المفهوم". وهذا اتهام ينقض نفسه بنفسه، تماماً كمقالها الأول. مقالي لم "يحاكم نوايا"؛ مقالي أخذ معاييرها السبعة – واحداً واحداً، بالنص والحرف – وقلبها على الدولة التي صاغتها لأجلها. الجزر الثلاث المحتلّة منذ 1971: واقعة حية لا نية. المرتزقة الكولومبيون والجنرال الأسترالي: حقائق لا تخمينات. نسبة المواطنين 12%: إحصاء لا ظن. التطبيع المجاني أثناء قصف غزة: فضيحة لا شائعة. دعم قوات الدعم السريع في السودان والمجلس الانتقالي الجنوبي وغيرهما من المليشيات : تقارير دولية مثبتة لا إسقاطات. فقرة "المخزن والزبون": تحليل اقتصادي هيكلي لا شتيمة. بايدن ونائب أمير المنطقة: بروتوكول موثّق بالصورة والتاريخ. فأين "محاكمة النوايا" في كل هذا؟
المفارقة أنّ ردّها هو الذي يمارس الشخصنة حرفياً – في الفقرة ذاتها التي تنتقد الشخصنة: "أحد المتخفّين تحت الأقنعة"، "استعلائي يستنقص من الآخرين"، "تمرين نفسي"، "خطاب يبحث عن التصفيق". هذه أوصاف للكاتب لا للكتابة – وهذا تعريف الشخصنة في أيّ قاموس.
بيد أن التناقض الأفدح يأتي في فقرة الجغرافيا. تقول الكتبي إن استدعاء الجغرافيا "خطاب شعري لا تحليلي"، وإنّ "الأرض لا تحارب ولا تحكم"، وإنّ حديثي عن العمق "حنين إلى أطالس المدارس". جميل. ولكن من الذي وضع معيار "المساحة الاستراتيجية القادرة على امتصاص الصدمة" في المقال الأول؟ أليست هي؟ إما أن الجغرافيا عامل حاسم في القوة – كما قالت أولاً وكما يقول ماكيندر ومورغانثاو وكل نظريات الجيوبوليتيك؛ فيجب أن تواجه حقيقة أن الإمارات لا تملك هذا العمق، أو أنها غير مهمة – كما تقول الآن – فيجب أن تحذف المعيار من مقالها الأول وتعتذر عنه. لا يمكنك أن تضع القاعدة حين تخدمك ثم تلغيها حين تنقلب عليك، هذا ليس تنظيراً بل لعب ورق. والتاريخ لا يُكافئ الدول لأنّ الله منحها صحراء واسعة – هذا صحيح – لكنّه يُعاقب الدول التي لا تملك عمقاً تمتصّ فيه الصدمة: نابليون قال "سياسة الدولة تكمن في جغرافيتها"، والسوفييت ابتلعوا جيش هتلر بفضل العمق لا بفضل البروتوكولات. والجغرافيا ليست أطلساً مدرسياً يا ابتسام؛ الجغرافيا هي التي تجعل إسرائيل تخطب ود الرياض باحترام واسترجاء وعبر كل وسطاء العالم، وتُخاطب غيرها عبر الأوامر. أما الدولة التي يمكن لصاروخ واحد في المضيق أن يُغلق اقتصادها؛ فهذه ليست "قوة عظمى تتجاوز الجغرافيا"؛ هذه دولة رهينة الجغرافيا التي تُنكرها.