23 يناير 2026

حين تتكلّم الجغرافيا، يصمت الإنشاء: الإمارات ليست موضع إساءة.. بل موضوع مساءلة ياعلي النعيمي

عن نهاية "الدور الوظيفي"، ومأساة من يُشعل الحدود بالمرتزقة ثم يشتكي من دخان السيادة
ثمّة في الخطاب الذي يدافع عن “مظلومية” أبوظبي ما يشبه رقصة المُصاب بالدوار؛ يدور حول نفسه بسرعة، يتخبّط بالجدران، ثمّ يشكو من قسوتها. النص الذي نقرأه للأخ النعيمي لم يُكتب بريشة دبلوماسي، بل برعشة القلِق من انقلاب الموازين. يُحاضرنا عن “الوعي” و”إدارة الخلاف”، فيما الوقائع – من الفاشر إلى حضرموت إلى هرجيسا – تروي حكاية مغايرة: دولة قرّرت أن تلعب في كل ميدان، وتموّل كل ميليشيا، ثمّ تصرخ حين يُسمى العبث باسمه.
والحال أن ما نشهده ليس “خلافاً سياسياً”، بل صراع وجودي بين عقيدتين. على جانب، “عقلية التاجر” التي تزدهر في الفراغات وتبيع التحالفات بالقطعة. وعلى الجانب الآخر، “عقلية الدولة” التي تبني الإرث وتحتاج للاستقرار لتنجح. التاجر يغامر لأنه يملك حقيبة سفر؛ الدولة لا تغامر لأنها تملك أرضاً وشعباً. وحين يستيقظ “المركز” الذي راهن التاجر على سباته، لا تتغيّر القواعد فحسب، بل يتغيّر اللاعبون.
لكن ثمة خديعة أعمق في بنية هذا الخطاب تستحقّ التعرية. إنّه يمارس لعبة الثنائيات المقلوبة: يضع “صمت” أبوظبي في خانة الحكمة، و”وضوح” الرياض في خانة الانفعال. غير أنّ تفكيك هذه اللعبة يكشف العكس تماماً. ذاك الصمت ليس حكمة، بل تستّر ضروري لتمرير ما لا يحتمل الضوء: شحنات أسلحة، وميليشيات، وصفقات في الظلام. أما الصوت السعودي فليس انفعالاً، بل سيادة قررت أن تكسر قواعد اللعبة القديمة. ولعلّ أبلغ ما يفضح هذا الخطاب هو ما يُسكت عنه: النص يضج بالحديث عن “الأخوة”، لكن كلمات “اليمن” و”السودان” و”الصومال” غائبة تماماً. هذا الغياب ليس سهواً؛ إنّه اعتراف ضمني بأنّ ذكرها يهدم كلّ ما بناه من بلاغة.
بيد أنّ ما يُسمّى “شيطنة الإمارات” ليس سوى توصيف لنمط موثق يتكرّر بدقّة مريبة. في اليمن: دعم “المجلس الانتقالي” لتقويض الحكومة الشرعيّة وتقسيم الجنوب. في السودان: تسليح “قوات الدعم السريع” – وصفه تقرير الأمم المتحدة في يناير 2024 بـ”الموثوق”- في الصومال: توقيع اتفاقيات مع “صوماليلاند” الانفصالية متجاوزةً الحكومة المركزية في مقديشو. ثلاث دول، ثلاث عواصم شرعيّة، وثلاث ميليشيات أو كيانات انفصاليّة تحظى بالدعم ذاته. هذا ليس صدفة، بل “نهج سياسي ثابت”: إضعاف الجيوش الوطنية، وتفتيت الدول المركزية، وزرع الفوضى في خواصر الكبار.
ذاك أن إشعال السودان ليس عبثاً. انظر إلى الخريطة بعين الجيوسياسي: الساحل السوداني يقع مباشرة قبالة مشاريع “نيوم” و”البحر الأحمر”. حين تحترق الضفّة المقابلة، تتراجع جدوى الاستثمار في ضفّتنا. إنّها “استراتيجية السياج الناري”: أحِط منافسك ببؤر لا-استقرار، واجعل كل  دولار يُنفق على البناء محفوفاً بالمخاطر. من يشعل النار في سور جاره، لا يحقّ له أن يشتكي من الدخان.
ولعل المثال الأكثر فجاجة لـ”عقليّة المرابي” يتجلّى في المشهد المصري-السوداني. في الوقت الذي تشتري فيه أبوظبي أصول مصر – “رأس الحكمة” وغيرها – مستغلّةً ضائقتها الاقتصاديّة، تمول في الضفة الأخرى الحرب التي تخنق مصر جنوباً وتُغرقها باللاجئين. إنّها سياسة تمسك “عود الثقاب” بيد لتشعل الحدود، وتمسك “عقود الشراء” باليد الأخرى لتبتلع الأصول. هل هذه “شراكة”؟ أم حصار يرتدي قناع الاستثمار؟ الكلمات الأنيقة لا تغسل الدماء في دارفور، والمصطلحات الناعمة لا تُخفي رائحة البارود في عدن.
والمشهد ذاته يتكرر في اليمن. المجلس الانتقالي الجنوبي لم يُصنع ليحارب الحوثي، بل ليقوّض الحكومة الشرعيّة. ثماني سنوات من تعطيل الموانئ ومحاولات الانفصال، ليست “سوء تفاهم”، بل زرع “مسمار جحا” في خاصرة الأمن القومي السعودي. وحين قصفت الصقور السعودية مواقع المتمردين في 30 ديسمبر 2025، وطُردت القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، كان ذلك إعلاناً بانتهاء “الصبر الاستراتيجي”.
وحين يضيق الخناق الإقليمي، يهرع “الدور الوظيفي” نحو ملاذات بعيدة. التطبيع المنفرد مع إسرائيل لم يكن خياراً للسلام، بل بحثاً عن “بوليصة تأمين” بعد أن شعرت بتآكل الغطاء التقليدي. إنها مفارقة الدولة التي نشأت في ظل العمق العربي، ثم قررت أن تستبدله بتحالفات من خارج الجغرافيا والتاريخ. محاولة تعويض “نقص الحجم” بـ”فائض التحالفات” البعيدة هي قمّة مأساة من لا يثق بجغرافيته، فيستجدي الحماية ممن لا يشاركه المصير.
أما الأرقام، فلا تعرف المجاملة. استقطاب الرياض لـ600 شركة عالمية في 2024 بنمو 477%، وارتفاع الاستثمار الأجنبي إلى 32 مليار دولار، ليس مؤشرات اقتصادية فحسب؛ إنّه تصحيح تاريخي يُعيد الثقل إلى مركزه الطبيعي. في مؤتمر "ليب"، اختصر مسؤول مصرفي عالمي المشهد بجملة للتاريخ: 
  “دبي مدينة أعمال رائعة تُقنعك باستئجار مكتب؛ أمّا الرياض فمشروع بناء أمّة تدعوك لبناء مستقبل.”
الفرق بين “الإيجار” و”البناء” هو الفرق بين من يعيش على هامش اللحظة، ومن يصنع التاريخ.
يختم الكاتب الإماراتي بمثالية: “الثقة لا تُبنى برفع الصوت”. صائب. لكنّها أيضاً لا تُبنى بتمويل المرتزقة، ولا بشراء أصول الجار المأزوم بينما تُشعل حدوده، ولا بالطعن في الظهر ثمّ المطالبة بالاعتذار. التاريخ يعلّمنا درساً لا يرحم: قرطاجة سقطت لأنها اعتمدت على المرتزقة والمال، بينما روما انتصرت لأنها اعتمدت على المواطن والأرض. المدن التجارية التي تحاول لعب دور الإمبراطوريات تسقط دائماً، وتعود لحجمها الطبيعي بمجرّد أن يتحرّك “المركز”.
الجغرافيا تتكلّم أخيراً، وحين تتكلّم الجغرافيا يصمت الإنشاء. السعودية اليوم تعيد رسم الخرائط، والرمال التي ظنّوا أنها تبتلع الغضب بصمت، صارت تُنبت ناطحات سيادة لا تقبل القسمة – ولا تتّسع لمن يبني بيته من زجاج، ثمّ يجرؤ على رشق الحجارة. 

6 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي