ثمّة في بيان "رابطة مكافحة التشهير" ضد السعودية -بطلب إماراتي واضح- ما يشبه صرخة الغريق؛ لا يستغيث طلباً للنجاة، بل يستنجد بمن أغرقه ليُكمل المهمة. النص لا يُقرأ كتحذير أخلاقي، بل كإيصال قبض سياسي: تهاجم الأصوات السعودية لا حبّاً في اليهود، بل دفاعاً عن وكيلها في الخليج. هل أصبح الدفاع عن المقدسات جريمة، والصمت عنها شهادة حُسن سلوك؟ السعودية تُحاكم لأنها لم تساوم على المسجد الأقصى ؟ وأيّ وقاحة تسمح لمن تورّط بالتجسّس على مناضلي جنوب أفريقيا أن يُلقي دروساً في التسامح؟
لنبدأ من البداية: ADL ليست هيئة أخلاقية، بل أرشيف فضائح يرتدي ربطة عنق. في عام 1993، داهمت الشرطة الأمريكية مكاتبها فضبطت شبكة تجسّس على مواطنين ونشطاء، بينهم مناهضو الأبارتايد ومناضلو حزب المؤتمر الوطني الأفريقي – رفاق مانديلا أنفسهم- كانت تُزوّد نظام الفصل العنصري بمعلومات عن خصومه. تاريخهم لم يكن مواجهة العنصرية، بل التواطؤ معها حين تقتضي المصلحة. وفي 2007، رفضت الاعتراف بإبادة الأرمن – ليس لشك تاريخي- بل حمايةً لتحالف تل أبيب–أنقرة. عندهم، الدم قابل للتفاوض، والمبدأ يُجمَّد لحين انقضاء الصفقة.
بيد أنّ السؤال الأهمّ ليس: لماذا تهاجم ADL السعودية؟ بل: لحساب من؟
الجواب معلّق في سماء أبوظبي. يوسف العتيبة فتح البوابة، وعلي النعيمي أدار الخطاب، و”مركز المنارة” صار الورشة التي يُعاد فيها تعريف الإسلام ليصبح نسخة قابلة للتصدير نحو تل أبيب. ليس بيت أفكار، بل غرفة عمليات تُغسل فيها المناهج لتصبح صالحة للاستهلاك التطبيعي. ADL ترى في أبوظبي الجواب المثالي: دولة صامتة، رأي عام “مُدار”، ومثقّفون بالريموت كونترول. وترى في الرياض التهديد: دولة ناطقة، وصوت له شعب، وكلمة لها وزن وأثر. الإمارات نموذج “اللا-رأي”؛ السعودية مصنع الوعي والسيادة. من هنا يُفهم الذعر.
ذاك أنّ البيان لم يصدر حين سقطت غزة تحت القصف، ولا حين أُبيدت عائلات بأكملها. صدر حين كُشف الدور الإماراتي في إشعال اليمن والسودان والصومال بحزم سعودي. صدر حين قررت أقلام سعودية أن تسمّي الأشياء بمسمياتها -ولا أقصد الجربوع الفار أحمد التويجري فهو الذريعة- دون مواربة ولا اعتذار. إنّه بيان مذعور من حدّة الكلمة، لا من خطورة الكراهية. ومن يُشعل الموانئ، لا يحقّ له أن يعظ المآذن.
والمفارقة أنّ الحرب ليست على “السامية”، بل على المقرّات. حين قرّرت الرياض إلزام الشركات العالمية بنقل مقرّاتها الإقليمية، بدأ الانكماش في ناطحات الزجاج. من هنا يُفهم توقيت البيان: محاولة تشويه بيئة الاستثمار السعودي بطلاء أخلاقي. يريدون إقناع وول ستريت بأنّ “الرياض خطرة”. والسبب؟ لأنّ الرياض قادمة، ولأن 670 شركة انتقلت، ولأنّ 32 مليار دولار تدفّقت. المال الذكي لا يقرأ بيانات ADL؛ يقرأ الخرائط والأرقام.
ولعلّ أفضح ما في هذه المؤسسة أنّها تحوّلت إلى ماكينة ربح تُتاجر بالقلق الأخلاقي. رئيسها يتقاضى أكثر من 1.2 مليون دولار سنوياً. كلّما هاجموا هدفاً كبيراً بالمنطقة، زادت التبرعات المسيسة. السعودية ليست “خطراً” عندهم، بل “سلعة” هي أغلى ما على طاولة جمع الأموال. هذا ليس دفاعاً عن السامية، بل نموذج أعمال يحول الصراخ الأخلاقي إلى أرقام في الحساب البنكي.
والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس على المثاليين، بل على دافع الضرائب الأمريكي ومصلحة الإيرادات الداخلية (IRS): كيف تُمنح مؤسسة وضعاً خيرياً معفىً من الضرائب، وهي تعمل كوكيل سياسي لحكومة أجنبية؟ ما تفعله ADL التفاف فاضح على قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA). تضغط باسم الأخلاق، وتقبض باسم السياسة. تُصدر بياناً في أبوظبي، وتوزعه في نيويورك، لإسكات كتاب السعودية. هذه ليست رقابة أخلاقية، بل عملية ضغط خارجي تتخفى بعباءة الحريات.
يلوح أنّ المشهد بات واضحاً: السعودية لا تُحارب لأنها “أساءت”، بل لأنها “نطقت”. الصوت السعودي يُخيف لأنه حقيقي وغير معلب، يعكس نبض عمق عربي وإسلامي لا يمكن هندسته في مكاتب العلاقات العامة. في الإمارات، الرأي العام قطاع خاص يُدار بمعايير الشركات؛ أمّا في السعودية، فالكلمة لها جمهور، ولها صدى، ولها ثمن يدفعه من يجرؤ على قولها.
فليعلم من كتب هذا البيان: السيادة لا تُقمع بالبريد الإلكتروني، ولا تُبتزّ بالعناوين الصحفية. هذه ليست إساءة، بل تسمية. ليست شيطنة، بل كشف. والذين ابتلعوا الإهانات صمتاً عقوداً، يُسقطون الأقنعة اليوم علناً.
وحين تتكلّم السيادة، لا يصمت الإنشاء فحسب؛ بل ينكشف الوكيل، ويرتبك الممول، ويهرب المقاول.