11 يناير 2026

العنوان الرئيسي: أسبرطة من ورق، ‏العنوان الفرعي: الإمارات: حين يُدار التفكك بالوكلاء ويُسوَّق كاستقرار

 ‏ثمّة نوعٌ من الكتابة لا يُفهم إلا بوصفه عملية تجميل بالكلمات؛ حيث تُستبدل الوقائع بالمصطلحات، ويُعاد تسمية الشيء حتى يفقد صلته بذاته. مقال ابتسام الكتبي لم يكن قراءةً أكاديميةً بريئة، بل تمريناً محسوباً في ما يصحّ تسميته غسيل السمعة الأكاديمي. فالكاتبة لا تكتب هنا كصوت مستقل يتأمل المشهد من بعيد، بل بصفتها رئيسة مركز سياسات تابع لجهة سيادية يعمل على تصدير الرؤية الرسمية لأبوظبي إلى الخارج. لغةٌ مصقولة، ومفرداتٌ تبدو محايدة، لا لتشرح الواقع بل لتُعيد تعميده: «تقويض السيادة» يغدو «إدارة تفكّك»، وصناعة الوكلاء تتحول إلى «تعاطٍ مع إكراهات الأمر الواقع». المشكلة ليست في اللفظ؛ المشكلة فيما يُراد له أن يختفي خلفه.
‏والحالّ أنّ القاعدة الأولى في السياسة الواقعية لا تحتاج تنظيراً: إدارة الأزمة لا تكون بصناعة بديل عن الدولة. من يدير أزمة يدعم الحكومة ومؤسساتها الشرعية، ومن يموّل ويُسلّح قوى خارج تلك المؤسسات لا «يدير» شيئاً، إنما يصنع نتيجة. الفارق هنا أداتيّ صرف. ومن هذه النقطة يبدأ سقوط المقال، لأن أمثلته -اليمن، السودان، الصومال ليبيا- تنتمي إلى خانة واحدة: تسليح وكلاء، لا ترميم دول.
‏هذه ليست إدارة. هذا تفكيك بالوكالة.
‏في اليمن تتجسّد العبارة واقعةً دامغة. ففي أغسطس 2019، حين كاد الجيش اليمني أن يستعيد عدن، قُصفت قواته في نقطة العَلَم. تلك الغارة وحدها تكفي لإسقاط كل حديث عن «تعاطٍ تقني» مع التفكّك؛ لأنها كانت منعاً بالقوة لعودة الدولة. هنا لم يُضمَّد الجرح؛ أُعيد شقه بمشرط.
‏ثم جاءت اللحظة الكاشفة مطلع هذا العام: هروب عيدروس الزبيدي بحراً ثمّ جوّاً إلى الخارج. لم تطارده السعودية؛ تركته يوقّع على اعترافه بيده. القائد حين يُؤسر يصير رمزاً، وحين يُقتل يصير أسطورة، أمّا حين يهرب فيصير إيصالاً، إيصال: يثبت من أمر، ومن موّل، ومن يدير من وراء البحر. منذ تلك اللحظة انتهت قابلية الإنكار؛ كل رصاصة لاحقة لم تعد «اشتباكاً داخلياً» بل أمراً عملياتياً مكشوف المصدر. هكذا تتحول البندقية من ورقة ضغط إلى وثيقة إدانة.
‏وفي السودان يظهر النمط ذاته بوضوحٍ أشدّ. حميدتي ليس «فاعل أمر واقع» كما تقول الأدبيات المهذّبة؛ إنّه اقتصاد حرب يمشي على قدمين. ميليشيا صارت شبكة تمويل بالذهب لمصلحة شخصية نافذة إماراتية، والذهب صار وقوداً لاستمرار القتل. نعم، كان السودان منهكاً؛ بيد أنّ تغذية الميليشيا حوّلت الشرخ إلى حرب بنيويّة. من يموّل السلاح لا يمنع الانهيار؛ يطيله. ومن يربح من الذهب زمن الحرب لا يبحث عن سلام؛ يبحث عن دورة أرباح جديدة.
‏وهنا تصل القضية إلى القاهرة المُثقلة بوجع الاقتصاد. والحال أنّ ما يجري في الكواليس ليس «إنقاذاً» كما يُروج، بل هو استنساخٌ حرفي لـ«حيلة المُرابي التاريخية»: الإغراق بالودائع لانتزاع الأصول. المعادلة الإسرائيلية التي تُنفذها محفظة "شايلوك" الإماراتية واضحة: إغراق الدولة بالسيولة الساخنة، ليصبح التنازل عن الأصول السيادية-من موانئ استراتيجية وأراضٍ حاكمة- هو الخيار الإجباري للسداد. إنها ليست استثمارات؛ إنها عملية «رهن» كاملة لقرار مصر السيادي، تهدف لتحويل «الدولة الكبرى» إلى مجرد «عقار» مملوك للخارج. من يساوي بين جيش وميليشيا في السودان يشنق مصر، حتى لو كانت المشنقة بحبل من حرير «الودائع». ولكن، تبقى سذاجة الاعتقاد بأنّ «الدولة العميقة - الجيش» في مصر، التي قرأت التاريخ جيداً، ستسمح بتحويل البلد إلى شركة تابعة.
‏ليبيا ليست استثناءً، بل شاهدٌ على النمط. دعم طرف عسكريّ ضدّ مسار أمميّ أطال الحرب وعمّق الانقسام. لا حاجة للتفصيل؛ يكفي وضعها في السلسلة لتظهر القاعدة: حيثما حضر وكيل الإمارات غابت الدولة.
‏في القرن الأفريقيّ تتعرّى الحيلة أكثر. تجاوز مقديشو والتعامل المباشر مع ابن السفاح: صوماليلاند ليس «استثماراً في الموانئ»؛ إنّه تطبيعٌ جغرافيّ للانفصال. السيادة لا تُقوَّض بالبيانات؛ تُقضَم بالعقود، بالمتر لا بالشعار. ثمّ تأتي اللحظة الأخطر: اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، كيان انفصاليّ غير معترف به دوليّاً في دولة مسلمة ذات سيادة. الاعتراف لم يأتِ من فراغ؛ جاء لأنّ الجغرافيا كانت مُهيّأة والبوابة مفتوحة. وحين تُدان الخطوة من أكثر من عشرين دولة إسلاميّة وتغيب أبوظبي عن الإدانة، وتدعم الانفصال والاعتراف الزيارة، يغدو الادّعاء بأنّها «ركيزة استقرار» بلا سند أخلاقي.
هنا يتّضح الخيط الجامع: تكامل مصالح. قالها عبدالخالق عبدالله -أحد أبرز المنظّرين المقربين من دوائر القرار في أبوظبي- صراحةً قبل سنوات: محور اتفاقيات التطبيع الجديد. والمحور ليس فكرة؛ إنّه شبكة: موانئ، وجزر، ووكلاء. إسرائيل تريد موطئ قدم عند باب المندب لحساب أمنها البحريّ، والإمارات تملك البوابات اللوجستيّة. ليست مؤامرة؛ هذا وصفٌ بنيويّ لمسارٍ متكرّر: العقل يحدّد الاتجاه، واليد تفتح الأبواب.
‏غير أنّ فهم المسار يقتضي فهم النفس. المشكلة في الحالة الإماراتيّة ليست فائض قوّة، بل قلق قوّة. دولةٌ صغيرة الحجم، ضخمة الثروة، سريعة الصعود، لم تُختبر في حرب وجوديّة حقيقيّة؛ فبحثت عن صورة بديلة للاختبار: الوكالة بدل المواجهة، والنفوذ بدل التحرير. تتحدّث عن الردع وهي لم تحرّر جزرها المحتلّة، وتبني خطاب القوة وهي تتفادى اختبارها المباشر. إنّها أسبرطة من ورق، استعارت الخوذة ولم تدخل المعركة: صلابة في الصورة، ومرونة في الحقيقة.
‏من هذا القلق تُفهم الخيارات كلّها: الميل إلى الوكلاء لأنّ الوكيل يقاتل بدلاً عنك، والاندفاع إلى الموانئ لأنّ الميناء يُغني عن العمق الاستراتيجيّ، والتكامل السريع مع إسرائيل لأنّ التحالف المعجَّل يُغني عن الشرعية البطيئة. هذه ليست شجاعة سياسيّة؛ هذا اختصار عصبيّ للطريق. قفزٌ فوق الأسئلة بدل الإجابة عنها.
‏أمّا فلسطين فهي الامتحان الذي لا يُخدَّر. من يُطبع ليؤكد الانقسام ويضعف وحدة الموقف، ثمّ يطلب من العرب تصديق أنّه ضدّ التفكيك، يطلب المستحيل. القدس ليست بطاقة عبور إلى النجاح السياسي؛ من يفرّط بها لا ينال احتراماً، إنّما ينال طلباً متزايداً للسقوط في هاوية الانحدار القيمي والأخلاقي . في المقابل، بدا الموقف السعوديّ على حاله: دولة مركز لا تشتري دوراً بدم القدس، وتعرف أنّ الثبات يصنع الاحترام، لا الصور، وكل ضغوط العالم لم تنفع أمام رسوخ الجبال.
‏حتى السخرية هنا تشخيصٌ لا شخصنة. حين يُغلق باب النقاش وقائيّاً قبل أن يُفتح-كما ظهر ببلوك "ابتسام كتبي" لي، و الذي سبق أي رد أو تواصل، فذاك سلوك خطاب لا يحتمل المساءلة. الاستقرار الذي يخشى السؤال ليس استقراراً؛ والسياسة التي لا تحتمل الردّ لا تملك حجّة. وبلوك الرد الذي لن يتجاوز سطرين أو ثلاثة خلق مقالًا ثقيلًا.  
‏ليست القضيّة اختلاف مدارس، بل انكشاف مواقع. الدول التي تختبر قوّتها على أرضها لا تحتاج وكلاء في أراضي الآخرين. والدول التي تحرّر ما تحتلّه لا تقايض السيادة بعقود، ولا تغطّي العجز بمحاور. ما جرى لم يكن إدارة تفكّك؛ كان إدارة قلق، قلق دولة تريد نتائج القوّة دون كلفتها، وصورة الردع دون اختباره.
‏يلوح أنّ التاريخ لا يُخدَع بالزيّ ولا بالمصطلحات؛ التاريخ يسأل سؤالاً واحداً فقط: مَن واجه، ومَن استعار؟
‏وعند هذا السؤال: تسقط الأقنعة كلها. ‍ 

8 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي