12 مارس 2026

الإمارات التي يُديرها قروب الظفرة.. وجدة التي تُطعمها

 ثمة في مشهد هذه الأيام ما يُشبه الجار الذي استيقظ ليلةً شتائيةً بارداً ليجد بيته بلا تدفئة؛ فاستعار من الجار الكبير حطب يدفئه، ثم خرج صباحاً ليُعلن على الملأ أنه لم يحتج إلى أحد، وأن مدفأته كانت تعمل طوال الليل، وأن الجمرة كانت ستصله في الأصل عبر الفجيرة. في المقابل، الجار الآخر -الكويتي- خرج هو الآخر صباحاً، لكنه قال شكراً.
هذا الفارق البسيط بين جارين هو موضوع هذا المقال كله.
والحال أن أندية الحماية والتعويض البحرية في لندن -تلك المؤسسات التي لا تقرأ التغريدات ولا تُجامل القروبات- سحبت تغطياتها التأمينية من المنطقة في الأيام الأولى من مارس دون استئذان أحد. بلغة الأرقام الباردة: قفزت رسوم تأمين الرحلة الواحدة للناقلة العملاقة من ٢٥٠ ألف دولار إلى ستة ملايين، أحياناً سبعة ونصف؛ ارتفاع يتجاوز الألف بالمئة. المضيق لم يُغلق بمرسوم سياسي؛ أغلقته معادلة رياضية في مكاتب لندن. وتقرير Inchcape البحري الذي يصدر مرتين يومياً يقول بالحرف إن ميناء خورفكان “لا يقبل أي حاويات للتصدير، لا فارغة ولا محملة”، وإن محطة ناقلات النفط في الفجيرة “عملياتها متوقفة حتى إشعار آخر.” الميناءان اللذان يستشهد بهما ذباب عبدالله ال حامد لإثبات الاستقلال: متوقفان. وخرائط أقمار MarineTraffic لا تكذب: موانئ الساحل الشرقي خاوية من الناقلات العملاقة، وموانئ الساحل الغربي السعودي تعج بها.
بيد أن أغلب الظن أن التفاصيل الأكثر فضحاً ليست في خرائط الأقمار الصناعية، بل فيما جرى على الأرض بهدوء تام. مثلًا: في الحادي عشر من مارس، نقلت حافلات طيران الجزيرة الكويتية ١٤٥ راكباً براً عبر الحدود إلى مطار القيصومة في حفر الباطن -مطار محلي سعودي لم يسمع به أحد قبل هذا الشهر- ومنه أقلعت أول رحلة إلى القاهرة. هيئة الطيران المدني السعودية منحت الموافقات فورياً، والوزير صالح الجاسر قال بالحرف: “مطارات المملكة مفتوحة أمام طائرات الدول الشقيقة.لا مؤتمر صحفي، لا تغريدة احتفالية؛ موافقة إدارية صامتة وتأشيرات عبور ٧٢ ساعة. وفي الوقت ذاته، كان مطار الملك فهد في الدمام يستضيف رحلات طيران الخليج البحريني الاستثنائية إلى لندن وبنكوك، بعد أن أصبحت أجواء البحرين شبه مغلقة؛ والجسر البري عبر جسر الملك فهد لم يتوقف لحظة، شريان يضخ الغذاء والدواء إلى المنامة ساعة بساعة. 
وقطر بوست -شركة البريد القطرية الوطنية- أصدرت بياناً رسمياً تؤكد فيه استمرار الشحن البري عبر السعودية دون انقطاع. 
ومنفذ البطحاء على الحدود السعودية الإماراتية، الذي يشغل أكثر من ٣٥٠ ألف شاحنة سنوياً ويعمل على مدار الساعة، لم يغلق يوماً واحداً، حاويات من جدة وينبع تقطع ألف وأربعمائة كيلومتر لتصل إلى أسواق دبي وأبوظبي. وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك أصدرت تعاميم فنية داخلية بحتة تُسهل عبور الشاحنات؛ لا بياناً وزارياً، بل ورقة إدارية صامتة سمحت لسلاسل الإمداد الخليجية بأن تتنفس. ومذكرة التفاهم مع موانئ قطر وُقعت في فبراير -قبل اندلاع الحرب بأسابيع- في ثمانية مجالات للتعاون اللوجستي. هذا ما يُسميه الكبار أداء الواجب: البناء قبل الأزمة، والصمت أثناءها.
ذاك أن ما يلفت النظر حقاً ليس ما فعلته السعودية، بل ردود الفعل المتباينة على ما فعلته. الكويت قالت شكراً، وهذا طبيعي وأخلاقي. البحرين قالت شكرا، وهذا طبيعي. قطر وثقت الشكر في بيان رسمي، وهذا طبيعي. الوحيد في المنطقة الذي خرج غاضباً، مُنكراً، مُتحدثاً عن “محد له فضل”، هو الطرف ذاته الذي يعيش الأزمة الأعمق. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الإمارات وحدها؟
الجواب، أغلب الظن، ليس سياسياً بل نفسي بامتياز. الكويت والبحرين وقطر دول واثقة من نفسها، تعرف هويتها خارج الميناء؛ أمنها الغذائي وعمقها السياسي وتاريخها لا يتوقفان على حركة الحاويات في جبل علي. أما الإمارات فقد بنت هويتها التحديثية على فكرة واحدة لا تحتمل الشريك: “نحن المركز.” جبل علي لم يكن ميناءً؛ كان إعلاناً وجودياً. دولة بلا عمق تاريخي سابق لعام ١٩٧١، وبلا كتلة جغرافية تمنحها ثقلاً طبيعياً، أعلنت نفسها مركزاً للعالم عبر ١٥.٥ مليون حاوية سنوية. فحين أغلق هرمز ذلك الميناء بصاروخ إيراني -لا بقرار سياسي بل بقوانين الجغرافيا الصماء- بدا كأن المبرر كله يتداعى. الكويت أو البحرين حين تقول “شكراً للجار” تؤكد هويتها؛ الإمارات حين تقول الكلمة ذاتها تُفقد نفسها سردية بنتها خمسين عاماً. ولما كان الجرح وجودياً، كان الرد طفولياً بالضرورة؛ والقروب يعرف هذا جيداً، لذا يُطعمه يومياً بالسردية الساذجة المناسبة قبل أن يُدرك المغردون أنهم يُدافعون عن هوية، لا عن رقم.
ولعل المرآة الأصدق تظهر حين نقلب السؤال: ماذا لو أن السعودية تصرفت بعقلية القروب؟ لو أغلقت منفذ البطحاء رداً على التغريدات، لوجدت الإمارات نفسها في هذه اللحظة بعينها: هرمز مغلق، جبل علي ميت، الفجيرة وخورفكان متوقفتان، الجو مضطرب، والبطحاء موصد؛ دولة بلا منفذ واحد يعمل، لا بحراً ولا براً ولا جواً. الرفوف الفارغة لا تحتاج إلى تحليل اقتصادي؛ تحتاج إلى أسبوع. لكن السعودية لم تفعل ذلك، لأن الكبير لا يُدار بعقلية القروب.
وحين تُصدر عمالقة الملاحة كـMaersk وMSC إشعارات رسمية لعملائهم بشطب موانئ الساحل الشرقي من مسارات سفنها الأم واعتماد جدة والملك عبدالله نقطةً للتوزيع الإقليمي، فهي لا تُعلق رأياً؛ بل تُصدر حكماً تجارياً غير قابل للاستئناف: سقطت أفضلية “المركز” أمام صلابة الجغرافيا؛ ورأس المال لا يُجامل قروب الظفرة يا عبدالله ال حامد ويالنعيمي.
ومن عادة التاريخ أن يكون فاضحاً حين يستعجله أحد. فينيسيا صنعت مجدها على احتكار طرق الشرق قروناً؛ حين فتح البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح عام ١٤٩٨، لم يكن ذلك انتقاماً، كانت جغرافيا جديدة كشفها عقل يمشي في الاتجاه الصحيح. فينيسيا أيضاً أنكرت أولاً، ثم غضبت، ثم فاوضت، ثم قبلت. الفارق الوحيد: فينيسيا لم يكن لديها قروب -يديره "المعضل الوردي"- يُقنع أهلها بأن المحيط الأطلسي  تبخرت مياهه .
المملكة لا تمن؛ الكبير لا يمن على أخيه. ما فعلته السعودية فعلته لأن الجغرافيا والحجم والاستثمار المسبق فرضت عليها دوراً لم تطلبه ولم تتباه به. لكن أغلب الظن أن الجغرافيا -تلك الصامتة العنيدة التي لا تقرأ التغريدات- ستظل تُجيب على السؤال الوجودي الإماراتي بالطريقة الوحيدة التي تعرفها: بأن تترك الشاحنات تسلك طريقها، والحافلات تقطع الصحراء إلى منفذ البطحاء وسلوى والخفجي وجسر الملك فهد، ومطار القيصومة يُقلع بركابه في صمت. والجار الذي خرج صباحاً ليُعلن أنه لم يحتج إلى الجمرة؟ سيعود مساءً إلى بيت دافئ، دون أن يعرف، أو يريد أن يعرف، من أشعل له النار. 

7 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي