08 مارس 2026

"القوة الناعمة العاشرة" أو: كيف تتفاخر الرئة بأنها ستختنق .. مُفكر الإمارات الأوحد يجيب

 يلوح أن ثمة نوعاً خاصاً من البهجة الإنسانية لا يُضاهيه شيء؛ تلك البهجة التي تنتابك حين تجد "المفكر" يرفع بيانه الظافر مفتخراً بأن بلاده ستُجمد الأصول الإيرانية وتقطع "رئتها للعالم"! غافلاً، بسعادة مذهلة، أنّه للتو اعترف بأنّ بلاده كانت هي الرئة. 
 والحال أن تسعة مليارات دولار تدفقت عام 2024 وحده عبر شركات دبي الوهمية إلى خزائن الحرس الثوري، وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية؛ 62% من الأموال الإيرانية المشبوهة التي رصدتها واشنطن كانت تمر عبر شركات مقيدة في الإمارات . بيد أن "مُنظر القوة الناعمة" لم يرَ في كل ذلك مشكلة تستحق التغريد  -لا أمس ولا أول أمس- فالرئة لا تسأل صاحب الرئتين عن سيرته. 
 ثمة في هذا المشهد ما يشبه تاجر السلاح الذي يبيع للقاتل مسدسه ورصاصه وحقيبة جلده ويشيعه من الباب بابتسامة حارة، ثمّ حين تعود الرصاصة لتثقب زجاج متجره يخرج مُفزوعاً ليُعلن أنه سيوقف تجارة الأسلحة! 
 نعم، الإمارات "أقوى رافعة غير عسكرية" لإيران -كما قال خبراء كينغز كوليدج -  لأن الإمارات هي "البوابة الأهم للفرس في التواصل السري مع "الاقتصاد العالمي". لكنّها بوابة بنتها الإمارات بنفسها، وصانتها بنفسها، ورفضت إغلاقها حين طلب منها السعوديون والأمريكيون ذلك مراراً. 
 ذاك أن واشنطن -حسب المعلن- كانت تُلح سنوات على أبوظبي أن تُفكك شبكات الالتفاف على العقوبات، فكانت تستجيب باستجابات وصفها مسؤولو الخزانة بأنها "دون مستوى التزاماتها المُعلنة" . ترجمة هذه العبارة الدبلوماسية للعربية الفصيحة: كانوا يعلمون، ويربحون، ويتجاهلون. والمحتل الإيراني لجزر الإمارات الثلاث كان يسبح في مياه دبي المالية في الوقت ذاته الذي تُخاطبه أبوظبي بـ"حسن الجوار ومصالح الفساد للطبقة النافذة"، ذاتها صاحبة فضيحة ذهب السودان، متحصنة بغطاء اللوبي الصهيوني والاتفاقيات الابراهيمية المُذلة لتهدئة أمريكا. 
 قلنا هذا منذ سنوات. قلنا إن من يبني نموذجه على المال الحيادي في عالم غير حيادي يبني على رمال؛ وإنّ من يتعامل مع محتل جزره بوصفه شريكاً تجارياً لا يفهم أن السيادة لا تشترى بالصفقات. قلنا إن "سويسرا الشرق" أسطورة تجارية لا سياسة، وإن الحياد في منطقة الحرائق ليس براغماتية بل رهاناً على ألّا تصل النيران بسرعة. خسارة مليون دولار في الدقيقة من تعطل مطاري دبي وأبوظبي  هي الثمن الذي يدفعه من آثر أن يُصدق أن الرهان ممكن. 
 والآن، بعد أن حرقت المسيرات الإيرانية النخلة والبرشاء والمارينا، تلك الواجهات البراقة التي كانت تستقبل المستثمر الإيراني وتودعه بالمصافحة الحارة؛  يخرج علينا "المفكر الاماراتي الوحيد" ليُعلن ببسالة أن الإمارات ستستخدم "قوتها الناعمة". أيّ قوة ناعمة يا ترى؟ تلك التي تمثلت لسنوات في توفير الملاذ المالي لحرس ثوري كان يستورد ويبني الصواريخ التي تضربُ اليوم؟ وسلاح الحدود الفارسي الذي يحرس الجزر المحتلة؟ 
 أغلب الظن أن النصيحة ستظل كما كانت دائماً: تُقرأ بعد أن يفوت أوانها.​​​​​​​​​​​​​​​​ تماماً كما تُقرأ تغريدات "مفكر الإمارات الأوحد"، لا أحد يفهم خطورتها إلا حين تسقط المسيرة.​​​​​​​​​​​​​​​​ فتذكروا نصائحنا اليوم قبل أن تبكوا من جديد بالغد.

4 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي