08 مارس 2026

مُصدِّرو الفوضى حين تطرق الفوضى أبوابهم

‏يلوح أنّ ثمّة عدالةً نادرة في هذا العالم المُثخَن بالظلم؛ عدالةً لا تُعلنها المحاكم ولا تُوقّعها المعاهدات، بل تُنجزها مسيرات الشر حين تُقرِّر، في صمت بارد، أن تزور بانيها ومُسهل صناعتها.
‏والحال أنّ الرياض، التي استقبلت آلاف المقذوفات الحوثية والإيرانية ببيانات تليق بدولة تعرف وزنها - وتكتفي بإعلان الإسقاط دون أن تمسّ الوجنتين بالصراخ - تراقب بعين المحاسب المتأني والأخ الأكبر على مراهقة أخيه الصغير ما يجري لجارتها التي أتقنت طويلاً فنّ صناعة الفوضى في بيوت الآخرين. بينما أبوظبي تُدير آلة الهلع بأقصى طاقتها، تحصي قتلى لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة وتُحوّلهم إلى ملحمة وطنية، وتُكرِّر أرقام الدفاع الجوي كأوراد يتلوها مبتدئ في صفّ المواجهة الأول.
‏بيد أنّ المفارقة الحقيقية - تلك التي تُضحك ملايين السودانيين واليمنيين والليبيين ضحكةً مرّةً لا تُشبه الفرح - أنّ "دولة المبادرات" لم تتفوّق يوماً في تصدير السلام والبنيان. لقد أتقنت تصدير شيء آخر: ميليشيا “الدعم السريع” التي روّت دارفور بدماء لا يُحصى عددها، وأدوات الانفصال في عدن التي مزّقت الجسد اليمني الجريح مرّتين، وبنادق المتمرّدين في ليبيا التي جعلت طرابلس مدينةً تُحكم إدارتها بالقوّة لا بالقانون. كلّ ذلك صُدِّر بعناية، بتمويل مُنظَّم، وبنظريات لامعة في “استقرار الإقليم” يشرحها خبراء في بدلات مُنشّاة على شاشات التلفزيون.
‏ذاك أنّ من يبني نموذجه على “الواحة الآمنة” فوق جماجم العرب، لا يجوز له أن يستغرب حين تتذكّره الجماجم. مطار دبي الأوّل عالمياً لحركة المسافرين تعطّل. الدخان ارتفع من النخلة والمارينا؛ تلك الرموز البرّاقة التي يُراد منها أن تُبهر المستثمرين وسيّاح الإنستغرام الهاربين من بلدان حطّمتها السياسات التي تموّلها الواحة ذاتها. أغلب الظنّ أنّ الهاربين من عدن الممزّقة إلى “دبي الآمنة” يتأمّلون اليوم بصمت الخائف ما ارتدّ إلى مصدره.
‏والإمارات - إذ تستدرّ العطف الدولي بـ”ثلاثة وفيات” ترفعها كلافتة حرب حضاريّة - تتناسى أنّها لم تكن يوماً حذرة في التحقُّق من أعداد موتى من موّلت حروبهم. قتلى السودان يُحصَن بمئات الآلاف، وليس في قاموس صانع القرار الإماراتي كلمة “ملحمة وطنية” لهم، بل في أحسن الأحوال إشارة عابرة بأنّ “الاستقرار يستوجب تضحيات”. أمّا حين تهبط الشظية قرب “سيتي ووك” فالمشهد كارثة إنسانية تستوجب اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن.
‏ها هي الصورة في أصفى تجلّياتها: دولة لا يتجاوز عدد مواطنيها مليوناً وهي تُحاضر في “بناء الدول” وتموّل تفكيكها؛ دولة حوّلت موانئها في عدن وطرابلس وأسمرة إلى حلقات في سلسلة نفوذ - لا خدمات لشعوب هذه الموانئ - وتتساءل الآن، بذهول مُستعار، لماذا تحوّل الخليج إلى ميدان بدلاً من أن يظلّ سوقاً. بيد أنّ السوق يحتاج أمناً حقيقياً، لا أمن الاستثمارات الليلي المحروس بسلاح يُصدَّر نهاراً لتدمير أسواق الآخرين.
‏السعودية، التي رسمت علاقتها مع الحرب بالعمق الاستراتيجي لا بالبيانات الدرامية، تبتسم بهدوء من يعرف أنّ الفارق بين قوّتين ليس في البراقة وحدها، بل في السؤال البسيط: ماذا يوجد خلف الواجهة؟ خلف أبراج الرياض جيوش ومصافٍ ونفوذ جغرافي لا يستعاض عنه. خلف “برج خليفة” - كما يتضح راهناً - ترانزيت، وسياحة، وثقة هشّة تتفتّت عند أول صافرة إنذار.
‏وأهل السودان واليمن وليبيا، الذين لم يُسألوا حين صُمِّمت مصائرهم في غرف مكيّفة بعيدة، يراقبون اليوم كيف تُجرِّب “الواحة” للمرّة الأولى ما جرّبوه سنواتٍ طوالاً؛ قلق الليل الذي لا يُطفئه حجم الناتج المحلّي، وهشاشة كلّ شيء حين تُقرِّر الجغرافيا أن تستعيد صوتها.
‏من يزرع الريح في عواصم العرب، لا يحقّ له أن يستغرب حين تُسأله العاصفة عن العنوان.

4 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي