ثمة في مقال علي النعيمي -سأقول اختصاراً “النعيمي” لا “الدكتور”، إذ الألقاب رفاهية للأوقات الاستعراضية- ما يُشبه شامان سبعيني اكتشف، بعد عمر من ضرب الطبول وإشعال النيران وتقديم القرابين، أن الأرواح لم تكن تسمعه أصلاً؛ المشاعر حقيقية، والطقس كان يُؤدى على أرض رخوة منذ أن وقف صاحبه في الكنيست عام ألفين واثنين وعشرين ليُخاطب الإسرائيليين قائلاً: “يجب أن نحارب سوياً، ونُضحّي سوياً، ونغير المنطقة سوياً.” آنذاك كانت غزة تتنازع آخر أنفاسها تحت القصف؛ واليوم يكتشف النعيمي أن الحرب “سوياً” لا تضمن ألّا تسقط الصواريخ على مطارك أنت.
“من يقصف وطني اختار أن يكون عدوي”. الجملة صحيحة في مبناها ومعناها. بيد أنّ السؤال الذي يتحاشاه "النعيمي" بكل عناية هو: ومن اختار، على مدى عقدين، أن يُبقي هذا العدوّ شريكاً مدللاً في الممرات الرمادية؟ الصاروخ لم يخترع العداوة؛ هو فقط أسقط القناع عن علاقة كانت مبنية، منذ البداية، على حسابٍ خاطئ وكذب على النفس؛ وعلى الأب.
أنا من مواليد عام ألف وتسعمائة وستين، أكبر من دولتكم بأحد عشر عاماً. كنتُ موجوداً، بلحم الذاكرة لا بخيال التاريخ، حين دعمت الرياض ذلك الاتحاد الفتي على رمال الخليج.
قلنا لكم -بهدوء الأب لا بصخب الخصم- إن ثمّة جزراً ثلاثاً تنام في حضن طهران وتتنفس بمئذنتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى؛ قلنا إن من يُبقي عدوه الطامع في أرضه شريكاً في تجارته يُحضر لنفسه يوماً أسود. قلنا إن التطبيع على عجل بلا سقف سياسي سيُفتح الشهية قبل أن يُطفئها. قلنا، أن الديانة الابراهيمية المبتدعة عبث عقدي، واتفاقياتها سذاجة وتبعية سياسية، وقلنا، وقلنا؛ فكان جوابكم ابتسامة صفراء ومصافحات الكنيست وبيانات “القوة الناعمة”. والابن المدلل حين يكذب على أبيه مرّة يجد الكذبة ناعمة؛ فيكذب ثانية وثالثة، حتى يتقن فن تصديق كذبه بنفسه، وهذا بالضبط ما حدث.
والحال أن السابع من فبراير عام ألفين واثنين وعشرين يستحق توقفاً جنائزياً؛ ذاك اليوم الذي وقف فيه "النعيمي" في الكنيست ليقول: “علينا القتال من أجل قضيتنا، نريد تغيير المنطقة بأكملها معكم.” كانت الجملة في مبناها وتوقيتها ومكانها ذليلة، و ما لم يذكره أحد أن تلك الزيارة “التاريخية” جاءت بعد ثلاثة أسابيع فقط من أول صاروخ حوثي-إيراني أحرق منشأة نفطية في أبوظبي وقتل ثلاثة في يناير من العام ذاته. تأمل هذا المشهد جيداً: بيت يحترق من الخلف، وصاحبه يُعيد تزيين صالون الجار، هذه ليست جرأة سياسية، إنها استعارة مركبة لفن التهرب من الحقيقة؛ تبدأ بإنكار الجمر وتنتهي بحريق الأثاث.
بيد أنّ أصدق توصيف لتلك السياسة جاء من بيت أبوظبي نفسه؛ إذ وصف الأستاذ عبدالخالق عبدالله دولته بأنها “رئة إيران”؛ بفخر من يُعلن براءة اختراع. والرئة التي توفّر الهواء لمن يريد خنقك ليست دبلوماسيةً ناعمة؛ هي كطبيب يُغذي بيديه الورم الذي يجتاح مريضه ويُسمي ذلك “طب وقائي”. أما الجزر الثلاث -طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى- فكانت ثلاثة أصابع إيرانية مطبقة على حلق الإمارات منذ التأسيس، وكنتم تُقنعون أنفسكم أنها مجرد مصافحة دافئة. وقد جاءت مئة وتسعة وثمانون صاروخاً وأكثر من تسعمائة وأربعين مسيّرةً في مارس ستة وعشرين لتُرجمة الأصابع الثلاثة إلى لغة لا تحتاج مترجماً.
ذاك أن النمط أكبر من إيران وحدها. في السودان دعمتم حميدتي بالمال والسلاح فصار السودان مقبرةً مفتوحة تُذرف عليها دموع التنديد، والمال نفسه. قلنا: الفوضى بضاعة لا تقبل شروط التصدير. كذبتم. في اليمن قاتلتم تحت مظلّة التحالف ثم رعيتم المجلس الانتقالي الجنوبي لهدم الشرعية ونقضتم ما بُني. قلنا: من يُفرق بيت جاره لا يضمن أن يبقى بيته متماسكاً. كذّبتم. في ليبيا أمسكتم بخيوط الفوضى حتى صارت ليبيا دولةً تُقاس فيها السيادة بعدد الحكومات المتنافسة. قلنا. كذبتم. ثلاث مرات كذب الابن المدلل على أبيه؛ وفي المرة الرابعة لم يكن الأب وحده من يدفع الثمن.
وكـ”القوة الناعمة” التي تدعون -تلك العطر الفاخر الذي يُرشّ على الجرح فيخفي رائحة الصديد دون أن يُعالج الجرح- بقيتم سنوات تُسوّقون لأنفسكم بوصفكم أذكى من التقاطبات؛ لا مع هذا ولا مع ذاك، وسط الجميع وعلى طاولة الجميع. غير أن اللاعب الذي يجلس مع الجميع في الوقت نفسه ليس دبلوماسياً محترفاً، هو رهينة تظن نفسها وسيطة؛ وقد جاءت المسيرات لتوضح الفرق.
يكتب النعيمي: “لا منطقة رمادية.” حسناً؛ لكن من فتح المنطقة الرمادية عقدين متتاليين؟ من أبقى مطاراته وموانيه ونظام شركاته بوابة للتجارة الإيرانية حين كانت العقوبات تخنق طهران؟ من حاور وفاوض وأبقى الممرات دافئة وقنوات التواصل مفتوحة؛ بينما الجزر الثلاث تنام في الحضن الفارسي كطيور مدجنة لا أحد يجرؤ على المطالبة بإعادتها؟ الصراحة التي يطالب بها النعيمي اليوم تستوجب محاسبة للنفس قبل رفع السبابة نحو الآخر، وإلا صارت قاعدة “لا منطقة رمادية” كذبة تستخدمونها على الجميع إلا على ماضيكم القريب.
والأخطر في مسيرة الكذب على الأب -والكذب على النفس- أنّ عواقبه لا تقع دفعة واحدة؛ بل تتراكم كـرمل الساعة الذي لا يؤلم حبةً حبة، حتى يستيقظ الساكن يوماً ليجد الزجاج ممتلئاً والوقت قد فات. مطار دبي ضُرب، وبرج العرب تلقى شظايا الاعتراض، وميناء جبل علي اشتعل. هذا ليس عقاباً فحسب؛ هو الفاتورة المؤجلة تصل محملة بفوائد عقدين من الكذب.
يلوح في فرحي بوصول النعيمي إلى هذه القناعة شيء جنائزي لا احتفالي. ما يُقلقني ليس الصاروخ؛ الصواريخ تُنسى حين يبرد الحديد. ما يُقلقني أن يُعاد بناء المطار على الأرض الرخوة نفسها؛ أن تُفتح الممرات الرمادية بتسمية جديدة، وتُعلن “القوّة الناعمة الحادية عشرة”، ويُصافح أحدٌ ما أحداً ما في قاعة باردة التكييف، فيما الجزر الثلاث تبقى في حضن طهران كأثاث لم يُتنازع عليه في عقود؛ والدرس ينام في أرشيف الذاكرة الانتقائية، ينتظر الطبعة الثالثة.
الإمارات دولة عزيزة؛ أخت صغرى دعمناها حين لم تكن أكثر من وعد بربطاني على رمال الخليج. ومن يحب لا يُصفق دائماً. قال النعيمي في الكنيست عام ألفين واثنين وعشرين: “نحن لا نُعيد التاريخ، بل نكتب التاريخ.” يلوح أن الصواريخ قرّرت المشاركة في الكتابة، وجاءت بخط أوضح وحبرٍ أقسى.
والسؤال الوحيد المتبقي ليس “من يقصف وطني”؛ بل: هل أصبحت يا نعيمي مستعدّاً أن تسأل، بصوت مسموع، لماذا كانت الرمال تحت المعبد رخوةً منذ البداية؟ أم أن الشامان سيُشعل طقسه مجدّداً -على الأرض نفسها- ويتعجب من أن الأرواح لا تزال لا تسمعه؟
image.png 313.17 KB