02 يناير 2026

المتغطي بإسرائيل عريان: سيكولوجيا الغرور وحدود اللعب في حديقة السعودية

 أما قبل:
ثمة لحظات في التاريخ لا تُقرأ من ظاهر الحدث، بل من المنطق الذي أنتجه. وما جرى أخيراً في اليمن والسودان وقبله ليبيا، ليس سلسلة أخطاء تكتيكية متفرقة، بل سلوكاً متكاملاً يفضح سيكولوجيا سياسية كاملة، ظنت أنها اكتشفت اختصار القوة في "النموذج الإسرائيلي"، فقلدته دون أن تمتلك شروطه، وناورته دون أن تفهم حدوده.
والحال أنّ العقلية الإماراتية الحاكمة لم تنظر إلى إسرائيل كدولة ظرفية في سياقها الجغرافي والتاريخي، بل تعاملت معها كمثال أعلى: دولة صغيرة، كثيفة السلاح، عالية النفوذ، تحتمي بتحالف فوق-إقليمي يعوض نقص الجغرافيا والديموغرافيا. هذا الإعجاب لم يكن ثقافياً ولا أمنياً ولا "تطبيعيًا" و "انبطاحيًا" فحسب، بل وجودياً؛ إعجاب بدولة تعيش على الحافة وتنجو بالقوة الذكية. ومن هنا بدأ الخلل.
ذاك أنّ تقليد النموذج الإسرائيلي دون إدراك فروقه البنيوية، يقود بالضرورة إلى إسقاطات كارثية. إسرائيل بنت قوتها داخل منظومة غربية متكاملة، وعلى وظيفة استراتيجية واضحة في النظام الدولي. أما الإمارات، فحاولت استنساخ الدور دون الغطاء، وتقمص الوظيفة دون التفويض، فبدأت تلعب في ساحات أكبر من حجمها: في ليبيا، ثم السودان عبر دعم قوات الدعم السريع ضد الشرعية، وأخيراً في اليمن بتسليح المجلس الانتقالي الجنوبي في خاصرة السعودية الجنوبية.
وهنا نصل إلى الخطأ القاتل: عدم التمييز بين السعودية ومصر. الإمارات تعاملت مع مصر بوصفها دولة منهكة اقتصادياً، محكومة بعقل عسكري قابل للإحراج والضغط الاقتصادي. مشهد العسكريين المصريين المقبوض عليهم في السودان -بتواطؤ غير مباشر من “معازيب" الدعم السريع- أغرى عقل الغرور بأن السيناريو قابل للتكرار. لكن  السعودية ليست مصر، لا في البنية، ولا في العمق، ولا في فلسفة الرد.
السعودية ليست دولة تبحث عن حماية، بل دولة توفر الحماية. ليست نظاماً هشاً تحت الاختبار، بل مركز ثقل دولي صلب. وحين تجاوزت أبوظبي الخط الأحمر بتهريب السلاح في اليمن، جاء الرد السعودي حاسماً: ضربة عسكرية معلنة، تسمية الأشياء بأسمائها دولياً، ومنح مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن. هنا انهار وهم “التحالف الذي لا يُحاسَب”.
بيد أنّ الغرور -حين يتضخم- يُنتج عمى استراتيجياً. الإمارات نسيت  -أو تناست- أنها ليست سوى كيان صغير يعيش تحت مظلة الأمن الخليجي التي ترفعها الرياض. تماماً كما أن الكويت والبحرين واليمن، في لحظات الخطر الوجودي، لا تُترك. التاريخ القريب لا يرحم الذاكرة الانتقائية: حين طلبت هيلاري كلينتون من السعودية عدم التدخل في البحرين عام 2011، كان الرد إقفال السماعة وحماية الشرعية. وحين حوصرت قطر، لم تسعَ المملكة لإسقاط النظام، بل تأديبه وضبط سلوكه، لأن فلسفة الرياض ليست تدمير الحلفاء بل تقويمهم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: من يظن أن الاتكاء على إسرائيل يمنحه حصانة، لم يفهم إسرائيل نفسها. إسرائيل تحتمي بأمريكا، ولا تحمي أحداً. توظّف، ولا تُوظَّف. تبيع التكنولوجيا، ولا تشتري الولاءات. ومن هنا تصح المقولة القديمة للرئيس حسني مبارك رحمه الله: “المتغطي من العرب  بالأمريكان عريان”؛ واليوم يمكننا تحديثها بلا مواربة: المتغطي بإسرائيل عريان.
راهنُ الإقليم يقول بوضوح: السعودية لا تقبل العبث بحديقتها الخلفية، ولا تسمح بتفكيك اليمن ولا بتطويق حدودها بأذرع ميليشياوية. وأغلب الظنّ أن الرسالة وصلت، وإن تأخرت. فالسيادة ليست شعاراً، بل قدرة على الرد، والتحالف ليس رخصة للخيانة، بل عقد مشروط بالانضباط.
وفي المرآة الأخيرة للتاريخ، يغدو واضحاً أن من يراهن على قوة الفهلوة السياسية دون شرعية، وعلى النفوذ دون عمق، وعلى التحالفات دون احترام خطوطها الحمراء، سينتهي دائماً إلى الحقيقة نفسها: الغرور لا يصنع دولة، بل يعجل بانكشافها وشد أذنها من الشقيق الأكبر.

أما بعد:
لم أرغب بالكتابة عن الموضوع لولا حماقات ضاحي خلفان، وتعليقات سكاي نيوز.  ومن هنا كان ضرورة كتابة هذا التمهيد للسلسلة اللاحقة المطولة.    وماعلم هذا الأحمق أنه لو كان الملك عبدالله رحمه الله حيًا لكانت أكبر أزمة لولي عهده الملك سلمان حفظه الله هو ثنيه عن عدم ضرب عاصمة التطبيع اللامشروط وجنون العظمة نفسها! 

نهاية التمهيد وبعده المقدمة إن شاء الله.

5 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي