ثمة في سيرة الرجل ما يربك أكثر الخيال السياسي تحررا: شخص يقضي تسع سنوات مُدرجا تحت رقم QI.B.182.04 في قائمة عقوبات تنظيم القاعدة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، ثم يخرج منها بإجراء فني بحت، فيُكرم بوصفه رب نهضة تعليمية سعودية، تتلقى في أكناف «أكاديمية وعد» ستة آلاف طفل من نخبة المملكة؛ فيما هو يقيس، على هامش ذلك، محيط جماجم الأطفال ويرصف القبائل السعودية على سلم «حواصل الذكاء»… ولا أحد يسأل.
في 21 ديسمبر 2004، أدرجته وزارة الخزانة الأمريكية تحت الأمر التنفيذي 13224 بوصفه «إرهابيا عالميا مُصنفا تصنيفا خاصا»، وأعلن وكيلها ستيوارت ليفي أن بترجي صُنف من أبرز ممولي الإرهاب في العالم، وأنه استخدم ثروته الخاصة وشبكة من الواجهات الخيرية لتمويل أجندة القاعدة. بعد يومين، أدرجه مجلس الأمن الدولي على القائمة نفسها. والتهمة لم تكن صغيرة: تأسيس «هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية» (BIF) وسلفها المباشر «لجنة البر الإسلامية»، اللتين كانتا الكوتين الماليتين لتنظيم بن لادن بين السعودية وباكستان في الثمانينات.
بيد أن الخروج من القائمة لم يكن تبرئة موضوعية. ففي يناير 2013، رُفع اسمه بإجراء «إلغاء الإدراج» عبر مكتب أمين المظالم الأممي. القاضية الكندية كيمبرلي بروست عقدت معه جلسة امتدت خمس ساعات في غرفة بفندق «بارك حياة جدة» في يوليو 2012، رفعت تقريرها، وانتهى الأمر. هكذا تتحول خمس ساعات في فندق من فئة الخمس نجوم إلى صك غفران يُسلم لمن قال عنه ليفي ما قاله.
أما كيف عاش الرجل سنوات الإدراج التسع، فهنا الفصل الأكثر طرافة: لقد نال شهادة الدكتوراه عام 2009 حين كان اسمه لا يزال على قائمة الأمم المتحدة لممولي القاعدة؛ وأنشأ «مدارس دار الذكر للبنين»؛ وأطلق مشروع «أكاديمية وعد» المصمم لاستيعاب ستة آلاف طالب من أبناء النخبة. ثم، بعد رفع الإدراج، توجه إلى نشر سلسلة دراسات في مجلة Mankind Quarterly.
والمجلة هذه ليست منبوذة في أوروبا فحسب؛ إنها في الأدبيات الأكاديمية الموثقة حجر الزاوية في مؤسسة العنصرية العلمية. أُسست عام 1960 بتمويل «صندوق الرواد» الأمريكي الذي قام أصلا على دعم «تحسين العرق»، ومن مؤسسيها أوتمار فون فيرشور، شريك جوزيف منغله في تجارب التوائم في أوشفيتز. ولم يكن بترجي ناشرا عرضيا في هذه المجلة؛ بل عضوا في مجلس استشارييها، أي شريكا في توجيهها وتأشير قرارات النشر فيها.
أما دراسته «البيانات المعيارية لحاصل الذكاء ومحيط الرأس عند أطفال السعودية»، فقد كتبها بمشاركة ريتشارد لِن، الذي يُعرف نفسه صراحة بأنه «عنصري علمي»، وجُرد عام 2018 من لقب «أستاذ فخري» في جامعة أولستر إثر احتجاج طلابي على عنصريته؛ وثمة حملة دولية راهنة لـ«السحب الجماعي» لأوراقه بعد أن ثبت أن قاعدة بياناته الشهيرة «حاصل الذكاء الوطني» مُلفقة بانتقاء منتقى. أما قياس محيط رؤوس الأطفال بوصفه مؤشرا عرقيا، فأداة هجرها علم الأنثروبولوجيا منذ بداية القرن العشرين، ولا تُستخدم اليوم إلا في شبكة العنصرية العلمية تحديدا.
والسؤال، بعد هذا كله، لا يتعلق ببترجي شخصيا؛ إنه يتعلق بنا نحن. كيف لشخص كان مُدرجا تسع سنوات كأحد كبار ممولي القاعدة، ثم رُفع إدراجه بإجراء تقني لا بتبرئة موضوعية، أن يصبح بعدها مباشرة صاحب إمبراطورية تعليمية لـ«إعداد النخبة»، وناشرا في وعاء العنصرية العلمية الأبرز عالميا، وعضوا في مجلسها الاستشاري، من دون أي محاسبة، لا أكاديمية ولا تنظيمية ولا حتى إعلامية؟
يلوح أن ثمة في المشهد ما يستدعي التفكر طويلا. فالرجل الذي صنفه الأمميون ذات يوم في خانة الإرهاب، يتفرغ راهنا لتصنيف أطفال السعودية في خانات من قياس الجمجمة وحاصل الذكاء، بإذن، أو بسكوت، أو بنسيان. والمُصنف الذي كان مُصنفا لم يأت من خارج المجتمع؛ بل رباه المجتمع، وفتح له المدارس، وأمنه على نخبته القادمة. أما الأطفال الذين تُقاس جماجمهم وتُرتب قبائلهم في الجداول، فلن يقرأوا يوما البيان الذي صدر بحق مُربيهم الأكبر في 21 ديسمبر 2004. وهذا، في حد ذاته، نوع مختلف من التعليم.