بريطانيا العظمى: مسرحية النفاق على خشبة السياسة العالمية
في مشهد كوميدي ساخر يليق بأفضل أعمال شكسبير، يطل علينا "خبير" بريطاني سابق من نافذة تويتر، ليقدم لنا وصفة سحرية لمعالجة ما يسميه "مشكلة إيلون ماسك" @elonmusk . هذا "الحكيم" الذي نقل كلماته صديقنا الصحفي والمحلل الكبير عبد الرحمن الراشد @aalrashed ، يقترح بكل بساطة وبلا خجل: إصدار مذكرة اعتقال بحق ماسك!
يا للهول! هل وصلت الديمقراطية البريطانية إلى هذا الحضيض؟ أم أن بريطانيا قد بدلت جلدها كحرباء سياسية، فتحولت فجأة من قبلة الديمقراطية إلى جمهورية موزية يحكمها طاغية وصل للكرسي بانقلاب على الحريات؟
لنرفع الستار عن هذه المسرحية الهزلية التي تقدمها بريطانيا للعالم، فصلاً فصلاً:
الفصل الأول: "تويتر والشاي: قصة إيلون ماسك في بلاد العجائب البريطانية"
إيلون ماسك، ذلك العصفور الذي غرد خارج السرب البريطاني، فأثار زوبعة في فنجان الشاي الملكي. وكأن تغريداته قنابل نووية تهدد بتدمير الحضارة البريطانية الهشة كقصر من بسكويت الديمقراطية المغموس في كوب النفاق. ما يتعرض له ماسك من ضغوط وتهديدات من قبل الحكومة البريطانية أشبه بمحاولة إخماد بركان الحقيقة بريشة نعامة سياسية.
لنتأمل للحظة في هذا المشهد السريالي: بريطانيا، التي تتباهى بكونها مهد الديمقراطية وحرية التعبير، تهدد بالاعتقال لمجرد تغريدات! وكأن كتابات ماسك على منصة X (تويتر سابقًا) هي نسخة رقمية من "كتاب الموتى" المصري القديم، قادرة على إثارة الفوضى في العالم الآخر للسياسة البريطانية.
ولكن ما الذي أثار هذا الغضب البريطاني الهستيري؟ ببساطة، ماسك تجرأ على كشف الستار عن الاضطرابات والمظاهرات التي تجتاح بريطانيا، تلك الأحداث التي تحاول وسائل الإعلام البريطانية التعتيم عليها بشدة. فجأة، وجد العالم نافذة مفتوحة على واقع بريطاني مختلف تمامًا عن الصورة الوردية التي تحاول لندن تسويقها.
هذه المظاهرات، التي لم تسمعوا عنها في وسائل الإعلام الرسمية، تكشف عن غليان شعبي تفجر نتيجة عقود من السياسات الحمقاء البريطانية مما أدى إلى هذه الفرقة الشديدة بين الانجلوساكسون ومن والاهم والجاليات الإسلامية والأقليات.
وهنا يأتي دور "قانون الأمان على الإنترنت"، ذلك السلاح الجديد في ترسانة القمع البريطانية.
الفصل الثاني: "قانون الأمان على الإنترنت: حكاية الذئب الذي يرتدي ثوب الحمل الرقمي"
"قانون الأمان على الإنترنت" البريطاني، تلك المظلة الورقية في عاصفة رقمية هوجاء، يدعي الحماية بينما يسمح بتسرب كل قطرة من الحرية. إنه يحمي حرية التعبير بنفس الطريقة التي يحمي بها القفص الحديدي حرية العصفور: بسجنها.
لنتخيل للحظة أن هذا القانون هو طبق من "الفش آند تشيبس" البريطاني الشهير: من الخارج يبدو شهيًا ومقرمشًا، لكن في الداخل مليء بالدهون المضرة بصحة الديمقراطية. كل قضمة منه تزيد من تصلب شرايين حرية التعبير.
هذا القانون، يمنح سلطات واسعة لـ "Ofcom"، الهيئة التنظيمية للاتصالات في بريطانيا، لمراقبة المحتوى عبر الإنترنت. وكأن بريطانيا تقول لمواطنيها ولاعبي التكنولوجيا العالميين: "مرحبًا بكم في حديقة الإنترنت البريطانية! يمكنكم التمتع بكل أنواع الحرية... طالما أنكم تبقون داخل القفص الذهبي الذي صممناه لكم بعناية فائقة."
ولكن الأمر لا يتوقف عند حدود بريطانيا. فالتناقض الصارخ في موقف المملكة المتحدة من التطبيقات المشفرة يكشف عن ازدواجية معايير مذهلة. فبينما تنتقد بريطانيا بشدة قرار روسيا وفنزويلا بحجب تطبيقات مثل يوتيوب وسيغنال، معتبرة ذلك انتهاكًا لحرية التعبير، نجدها في الوقت نفسه تضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى مثل فيسبوك وجوجل لتقديم مفاتيح التشفير التي تسمح لها بالوصول إلى اتصالات المستخدمين الخاصة، وقد فعلت ونجحت!
ولكن الأمر يزداد غرابة عندما ندرك أن بريطانيا، من خلال مشاركتها في تحالف "العيون الخمس" للتجسس العالمي، تلعب دورًا مزدوجًا آخر. إنها تشبه الثعلب في حظيرة الدجاج العالمية: تدعي الحماية بينما تلتهم خصوصية العالم بنهم لا يشبع. تتجسس على العالم بأسرع كما يتلصص متحرش على ضحاياه، ثم تدعي أنها تفعل ذلك لحمايتهم، وتمنع غيرها من الدول استخدام ذلت الحق وتستنكر من يقول لها : لا !
لنتخيل بريطانيا كجيمس بوند في عالم رقمي، لكن بدلاً من حماية العالم، يقوم بسرقة أسرار الجميع لصالح صاحب الجلالة. وكأنها تقول: "نحن نسرق أسراركم... لنحميكم من أنفسكم ومن خصوصيتكم التي قد تصيبكم بالتخمة!"
هذا التحالف يجعل من بريطانيا أشبه بعنكبوت عملاق ينسج شبكة عالمية من التجسس، حيث كل خيط هو كابل بيانات، وكل عقدة هي نقطة اعتراض لمعلوماتنا الشخصية. وبينما تنتقد بريطانيا الصين وروسيا علنًا لممارسات مماثلة، فإنها تمارس نفس الأفعال خلف الستار، وكأنها تقول: "افعل ما أقول، لا ما أفعل!"
الفصل الثالث: "رقصة التانغو مع الإرهاب: كيف تحولت لندن إلى ملجأ للمتطرفين بنكهة الشاي الإنجليزي"
بريطانيا ترقص التانغو مع الإرهاب، خطوة للأمام في الإدانة، وخطوتان للخلف في الاحتضان. فها هي تفتح أبوابها للمتطرفين كما يفتح نادل في حانة لندنية زجاجة نبيذ فاسد لزبون سكران. وكأن لندن قد تحولت إلى حديقة حيوانات للإرهابيين، حيث الذئاب المتطرفة تعوي على أنغام "God Save the Queen"!
لنأخذ مثالاً: موقف بريطانيا من المعارضين السعوديين المتطرفين. وبعضهم أدرجوا على قوائم الإرهاب العالمية، ويتمتعون بحماية بريطانية كاملة، كأنهم ورثة العرش البريطاني أنفسهم! وكأن لندن تقول للرياض: "نحن نحارب الإرهاب... إلا إذا كان الإرهابي يدفع إيجار قصره في حي الأثرياء ويشرب الشاي معنا في الساعة الخامسة في مقر MI6!"
لنتعمق أكثر في قضية سعد الفقيه، المثال الأبرز على هذا النفاق. هذا الرجل، الذي أدرج على قائمة العقوبات الأممية بتهمة تمويل الإرهاب، يعيش في لندن منذ عام 1994، ويدير منظمة تدعو صراحة إلى الإطاحة بالنظام السعودي. كيف لدولة تدّعي محاربة الإرهاب أن تستضيف شخصًا متهمًا بتمويله والتحريض الصريح عليه؟ ماذا عن محمد سعيد الغامدي والمسعري اللذان يكفران الدولة السعودية حكومة وشعباً مع مايترتب على هذا التكفير من استحلال لدماء المسؤولين والعسكريين وكل من يعمل بالدولة؟ هذه المعلومات كتب عنها البريطانيون رسائل دكتوراه فهي لاتخفاهم، فإلى ماذا يريدون أن نصل؟
الإجابة تكمن في لعبة القوة والنفوذ التي تمارسها بريطانيا، تلك الراقصة العجوز التي تحاول استعادة أمجاد ماضيها على مسرح السياسة العالمية. فهي تستخدم هؤلاء المعارضين كأوراق لعب في قمار سياسي خاسر مع السعودية ودول الخليج الأخرى. إنها تلوح بهم كسيف خشبي مطلي بالذهب على رقاب الأنظمة العربية، هامسة بصوت متهدج: "إما أن تلبوا مطالبنا، أو سنطلق العنان لهؤلاء المعارضين الورقيين".
وفاتها، هذه العجوز التي أفلت شمسها وتساقطت أسنان إمبراطوريتها، أن هؤلاء المعارضين ليسوا إلا دمى متهالكة في مسرح العرائس البريطاني. سيوف من خشب النفاق، لا ثقل لهم بالداخل ولا احترام في الخارج، يصلحون فقط لتزيين واجهة الديمقراطية المزيفة.
لكنها "الرغبوية" السياسية البريطانية، تلك الحالة المرضية من الأوهام الدبلوماسية، التي تدفعها لمحاولة استنساخ تجربة فرنسا مع إيران. تحلم لندن بصناعة "خميني" سعودي، على أمل أن يكون طوع بنانها، متناسية أن التاريخ لا يكرر نفسه إلا كمهزلة.
حسنًا، مضت عشرون سنة، وقرن من الزمان قبلها، ولم يتعلم البرود الإنجليزي شيئًا كعادته. كقرد آلي عتيق، يستمر في استنساخ الخطأ تلو الخطأ، مستقطبًا الجيل الجديد من المعارضين "النواعم" لحمل راية وهمية بعد أن اتضح هزال رهانه الأول. فبريطانيا لم ولن تعتبر، ذاك أن أوهام الإمبراطورية التي تحرك العملاء وتضعهم على رؤوس البلاد ما زالت تعشعش في مخيلتها المتصدعة كبيت عنكبوت في جحر مهجور لجرذ قد نفق منذ عقود.
إنها مأساة كوميدية تتجلى فيها بريطانيا كممثل عجوز يحاول أداء دور البطولة في مسرحية انتهت منذ زمن بعيد. تتشبث بأطلال نفوذها المتآكل، متوهمة أنها قادرة على تحريك دفة السياسة العالمية بمجرد إيماءة من حاجبها المتعجرف. لكن العالم تغير، والمسرح تبدل، وما عادت حيل بريطانيا القديمة تنطلي على أحد.
دعونا نتخيل سيناريو معاكسًا. ماذا لو قامت السعودية باستضافة معارضين بريطانيين يدعون لقلب نظام الحكم في المملكة المتحدة بالقوة؟ لنتخيل مثلاً أن الرياض استقبلت قيادات سابقة من الجيش الجمهوري الأيرلندي (IRA)، تلك المنظمة التي قادت حملة عنف ضد الحكومة البريطانية لعقود. وتخيلوا أن هؤلاء القادة يديرون من الرياض حملة لإعادة إشعال الصراع في أيرلندا الشمالية والدعوة لانفصالها عن المملكة المتحدة!
هل ستقبل بريطانيا بهذا؟ بالطبع لا. ستصرخ بأعلى صوتها منددة بـ"دعم الإرهاب" و"التدخل في الشؤون الداخلية". وستطالب بتسليم هؤلاء "الإرهابيين" فورًا، متناسية أنها تأوي من تصنفهم دول أخرى كإرهابيين.
إن استضافة بريطانيا لهؤلاء المعارضين ليست مجرد مسألة حرية تعبير كما تدعي. إنها استراتيجية مدروسة للضغط والابتزاز السياسي.
وهنا نصل إلى جوهر المفارقة: بريطانيا التي تدّعي محاربة التطرف والإرهاب، هي نفسها التي توفر ملاذًا آمنًا لمن يدعون إلى العنف والتطرف ضد دول أخرى. إنها تلعب بالنار، متناسية أن هذه النار قد ترتد عليها يومًا ما. ولعل رأت بوادر ذلك في أحداث الشغب التي جعلتها تهتاج ضد وسائل التواصل وإيلون ماسك وكل مبادئها الفارغة.
هذا التناقض يجعلنا نتساءل: هل أصبحت لندن "لاس فيغاس" الإرهابيين، حيث يمكن للمتطرفين أن يراهنوا على مستقبل بلدانهم من غرف فنادق فاخرة، بينما تتظاهر الحكومة البريطانية بأنها لا ترى شيئًا؟
الفصل الرابع: "مسرحية حقوق الإنسان على مسرح شكسبير"
في هذا الفصل الختامي، نشاهد بريطانيا وهي تقدم عرضًا مسرحيًا هزليًا عن حقوق الإنسان على مسرح شكسبير نفسه. إنها كالملك لير، عجوز ومجنون، يحاول أداء دور البطولة في مسرحية الديمقراطية، بينما صوته يتهدج وتاجه يسقط عن رأسه المترنح.
لنتأمل في قضية جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، الذي تحول من بطل للشفافية إلى "مجرم" في نظر الحكومة البريطانية. بعد سنوات من الملاحقة والسجن، أطلق سراح أسانج في صفقة سرية، وكأن بريطانيا تقول للعالم: "نحن نحمي حرية الصحافة... بعد أن نسحقها ونعصرها ونجبرها على الاعتراف!"
لنتخيل أسانج كشخصية من رواية جورج أورويل "1984"، حيث تحاول وزارة الحقيقة البريطانية إعادة كتابة التاريخ. في هذه النسخة المعدلة، أسانج ليس صحفيًا شجاعًا كشف عن جرائم حرب، بل هو مجرم خطير يهدد الأمن القومي بنشر الحقائق!
وماذا عن موقف بريطانيا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ إنه يشبه موقف حكم مباراة يبيع صافرته لأعلى مزايد، ثم يدّعي النزاهة. فبريطانيا التي أعطت وعد بلفور، وساهمت في خلق المأساة الفلسطينية، تأتي اليوم لتعطي دروسًا في حل النزاعات. وكأنها تقول: "نحن خبراء في حل المشاكل... التي خلقناها بأيدينا الملطخة بالدماء!"
تاريخها الاستعماري الدموي يشبه وشمًا قبيحًا تحاول إخفاءه تحت ثوب الدبلوماسية المهترئ. وكأنها تقول للعالم العربي: "انظروا إلى مستقبلنا المشرق معًا... وتجاهلوا ماضينا المظلم كليلة استعمارية في قلب بغداد!"
وماذا عن موقفها من الهند تحت حكم مودي؟ صمتها عن اضطهاد المسلمين في كشمير يشبه صمت الأصم عن أغنية النصر. وكأن حقوق الإنسان في القاموس البريطاني تنتهي عند حدود صفقات بيع الشاي الهندي!
الخاتمة: "سقوط الستار على مسرح النفاق البريطاني"
في المشهد الختامي، نرى بريطانيا وهي تقف على مسرح السياسة العالمية كديناصور سياسي يحاول التكيف مع عصر الثدييات الرقمية، متخبطًا في غابة من التناقضات التي زرعها بنفسه. إنها كساحر متقاعد يحاول خداع الجمهور العربي والعالمي بحيل بائسة، متناسيًا أن الستار قد سقط منذ زمن بعيد، وأن العالم يرى خدعه المكشوفة بوضوح الشمس في صحراء الحقيقة.
وهكذا، تنتهي مسرحيتنا الهزلية عن بريطانيا العظمى، تاركة المشاهدين العرب في حيرة بين الضحك والغضب. فهل ستنزع بريطانيا أقنعتها وتواجه مرآة الحقيقة، أم ستستمر في هذا العرض البائس حتى يُسدل الستار على آخر فصول إمبراطوريتها المتهالكة، تاركة وراءها إرثًا من النفاق يفوح كرائحة الاستعمار العفن؟
أيها العالم العربي، وأنت يا إيلون ماسك، ويا كل صوت حر في هذا العالم: هذه هي بريطانيا الحقيقية، عارية من أقنعتها، مكشوفة في نفاقها. فلنرفع أصواتنا معًا ضد هذا المسرح السياسي الهزلي، ولنطالب بريطانيا بمواجهة حقيقتها قبل أن تغرق في بحر تناقضاتها، وتأخذ معها ما تبقى من مصداقية الديمقراطية الغربية المزعومة.
في النهاية، نجد أنفسنا أمام مشهد كوميدي تراجيدي: بريطانيا العظمى، التي كانت يومًا ما إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، أصبحت اليوم ترتعد من ظل تغريدة. فهل هذا هو مصير الديمقراطية البريطانية؟ أن تتحول من أسد بحري يجوب المحيطات إلى قطة مذعورة تختبئ من فأر إلكتروني؟
وفي حين تستمر بريطانيا في لعبة القط والفأر هذه، متجاهلة المخاطر التي تجلبها على نفسها وعلى العالم أجمع، يبقى السؤال: هل آن الأوان لها أن تواجه تناقضاتها؟ أم أنها ستستمر في رقصة التناقضات هذه، حتى يسقط الستار على آخر فصول مسرحيتها الهزلية؟ الإجابة، كما يبدو، مدفونة في أروقة وستمنستر، حيث تُصنع السياسة البريطانية على وقع أجراس بيغ بن، وعلى أنغام النفاق السياسي الذي أتقنته بريطانيا على مر القرون.