تيليجرام في قفص الاتهام: رقصة التنين الرقمي على أنقاض الحرية
في مشهد يليق بأفضل روايات جورج أورويل، ها هي فرنسا، تلك الراقصة العجوز في كباريه الحرية الغربي، تلقي القبض على بافيل دوروف، مبدع ومالك ورئيس برنامج تيليجرام. دوروف، ذلك القرصان الرقمي الذي أبحر بعيداً عن شواطئ الكرملين، وجد نفسه الآن في قبضة من يدعون حماية الحريات.
لو أن دوروف كان قد انحنى وسلّم مفاتيح مملكته الرقمية للغرب، لكان الآن يتذوق الكرواسون مع ماكرون في قصر الإليزيه، يتغنيان معاً بأنشودة "الحرية الرقمية المطلقة" في لحن نشاز، بينما يرقصان على أنقاض خصوصية المليارات.
لنكشف الستار عن خدعة التشفير الكبرى. التشفير، ببساطة، هو تحويل رسائلكم إلى رموز لا يفهمها إلا من يملك المفتاح الصحيح. هذا يعني أن الرسائل يتم تشفيرها بحيث لا يستطيع أحد قراءتها سوى المرسل والمستقبل، مما يفترض أن يحميها من التطفل. بينما تدّعي التطبيقات الغربية أن صناديقها هي قلاع منيعة، فإنها في الواقع قصور من ورق تتهاوى أمام نسمة من وكالات الاستخبارات التي تملك مفاتيح التشفير.
دول "العيون الخمس" ,الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا - ذلك الأخطبوط الاستخباراتي ذو الأذرع الخمسة الممتدة عبر المحيطات- تتشارك في وليمة بياناتنا كأنها بوفيه مفتوح في مطعم المراقبة العالمي.
في عام 2013، فتح إدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، صندوق باندورا الرقمي، ليطير منه برنامج PRISM كغراب نذير شؤم. كشف سنودن أن الحكومة الأمريكية كانت تجمع بيانات الملايين من مستخدمي الإنترنت حول العالم، بما في ذلك المكالمات الهاتفية، رسائل البريد الإلكتروني، وحتى سجلات التصفح. هذا البرنامج ليس سوى مكنسة عملاقة تكنس كل ذرة معلومات من زوايا الإنترنت المظلمة.
خطورة ما كشفه سنودن تكمن في أنه أظهر كيف أن كل نقرة على لوحة المفاتيح، كل همسة في الهاتف، كل بحث على جوجل، يتحول إلى بيانات يمكن استغلالها. نتيجة لذلك، اضطر سنودن للفرار إلى روسيا طلباً للجوء، ليصبح منفياً في وطن يعتبره الغرب عدواً للحرية التي حاول الدفاع عنها.
وكأن هذا لم يكن كافياً، تأتي بريطانيا بقانون "الأمان على الإنترنت". هذا القانون، الذي يمنح سلطات واسعة لمراقبة المحتوى عبر الإنترنت حيث يسجن فيه الشخص لتغريدة أو نقرة إعجاب على موضوع يتكلم عن أحداث الشغب في ليفربول! والمعيار والحكم فيما ينشر ولا ينشر ومايهدد الأمن ومايندرج تحت حرية التعبير لايعرف أسراره إلا مكتب الاستخبارات السرية البريطاني.
في الولايات المتحدة، نجد قانون SESTA-FOSTA، الذي يهدف ظاهرياً لمكافحة الاتجار بالبشر. لكنه في الواقع يقوض حصانة المنصات الرقمية ويجبرها على فرض رقابة ذاتية صارمة خوفاً من المسؤولية القانونية. هو سلاح تستخدمه الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأمريكية للتحكم بالانترنت العالمي كما كشف سنودن.
أما روسيا، التي ترحب بتيليجرام كما يرحب الثعلب بالدجاج في حظيرته، فهي تسمح بعمله لأنها تمتلك مفاتيح تشفيره. في المقابل، تحظر سيجنال لأن مفاتيحه في أيدي وكالة الأمن القومي الأمريكية.
فرنسا، التي تعتقل دوروف اليوم، تتبع نفس المنطق المعكوس. الطريف أن الكل يطالب بحرية التعبير طالما هذه الحرية تُمارس بالتطبيقات التي تمتلك الدولة مفتاح تشفيرها!
ولنتذكر ما حدث في مصر وليبيا وتونس والبحرين عام 2011، حين تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مايسترو يقود سيمفونية الخريف العربي وفق نوتة أوبامية محددة سلفاً. ومن القاهرة إلى موسكو إلى واشنطن ولندن، رأينا كيف تم توظيف هذه المنصات للعب الشطرنج السياسي.
أما قصة هواوي وZTE، فهي فصل آخر في رواية النفاق الرقمي الغربي، وماذا عن TikTok؟ لماذا يُهدد بالحظر الأمريكي؟ ولماذا الصين تحجب فيسبوك؟ هل فهمنا اللعبة؟
فما العمل؟ الحل يكمن في بناء سيادتنا الرقمية، قلعة منيعة تحمي هويتنا وقيمنا من غزو البرمجيات الغربية والشرقية. نحتاج إلى تطوير تطبيقاتنا الخاصة، بناء بنيتنا التحتية المستقلة، وتعزيز وعينا الرقمي. نحتاج -كما ذكرت في مقال سابق- إلى "ويستفاليا رقمية" جديدة، معاهدة تعيد رسم خريطة العالم الافتراضي كما أعادت سابقتها تشكيل أوروبا.
إن اعتقال دوروف ليس سوى جرس إنذار يدق بقوة. إنها لحظة فارقة تتطلب منا جميعاً أن ننتفض، وإلا وجدنا أنفسنا عالقين في مصيدة الفئران الرقمية التي نصبتها لنا الشركات والحكومات.
الخيار لنا، وعقارب الساعة الرقمية لا تتوقف. فلنتذكر أن كل نقرة على "أوافق" قد تكون مسماراً في نعش حريتنا الرقمية. حان الوقت لنكتب شروطنا الخاصة، ونحول لعبة الشطرنج الرقمية العالمية من لعبة أحادية إلى متعددة اللاعبين. مستقبلنا الرقمي بين أيدينا، فلنصنعه بحكمة وشجاعة، وإلا وجدنا أنفسنا مجرد بكسلات في صورة كبيرة يرسمها الآخرون.