15 أكتوبر 2026

حرب الخزانات

‏قرأت قبل سنوات مذكرات القائد الألماني رومل، وتوقفت عند قوله إن المعركة يحسمها رجال التموين قبل أن تُطلق أول رصاصة.. فرومل لم يخسر العلمين بسبب ضعف دباباته، بل لأن الإنجليز أغرقوا ناقلات الوقود القادمة إليه عبر المتوسط، فوجد "ثعلب الصحراء" نفسه يقود جيشاً لا يملك ما يحركه به!
‏تذكرت هذه القصة وأنا أتابع الحملة الجوية السعودية الحالية على الحوثي، فالجديد هذه المرة نوع الأهداف وليس عدد الغارات.. أرصفة تفريغ الوقود في رأس عيسى بالحديدة، ومنشأة الصباحة المركزية في صنعاء، والخزانات والاحتياطيات المخبأة تحت الأرض. والحوثي (كما نعرف) يعتمد على استيراد المشتقات النفطية، ومن دونها تصبح منصات صواريخه مجرد حديد ثقيل في الوديان.
‏ينسب لنابليون قوله إن الجيش يزحف على بطنه، أما جيوش اليوم فتزحف على خزاناتها. والإمداد عند الحوثي سلسلة تبدأ بالميناء وتمر بالخزانات ثم بالصهاريج التي تقطع الطرق من الحديدة وباجل إلى صنعاء وذمار وصولاً لمأرب وتعز.. ضرب حلقة واحدة يمكن ترميمه، أما ضربها مجتمعة فيصنع اختناقاً يصعب الخروج منه. وهذا بالضبط ما فعله الحلفاء بألمانيا عام 1944 حين ركزوا قصفهم على منشآت الوقود، فانهار إنتاج وقود الطائرات خلال أشهر قليلة، واعترف وزير التسليح الألماني ألبرت شبير بعد الحرب بأنها الضربة التي قصمت ظهر الرايخ.
‏أتوقع أن تكون الأسابيع الثلاث المقبلة الأكثر صخباً، صواريخ ومسيرات وتهديدات بالجملة.. ولكنه صخب من يطبق قاعدة Use It or Lose It، أي إطلاق ما يملكه قبل أن يُدمر في مخازنه. ورهانه واضح: إيلام العمق السعودي لإيقاف الحملة قبل أن تظهر نتائجها، لأن إيقافها تحت التهديد يمنحه الوقت الذي يحتاجه لإعادة ملء خزاناته. وهنا تُحسم معركة الإرادات، وقد قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ).
‏المفارقة أن الحوثي توسع حول تعز والساحل الغربي، ويقاتل في مأرب والجوف، في الوقت ذاته الذي أصبحت فيه خطوط إمداده مكشوفة.. فكل كيلومتر يكسبه على الأرض يضيف كيلومتراً لطريق صهاريجه. دخل نابليون روسيا بأكثر من نصف مليون جندي ووصل موسكو منتصراً، ثم عاد بأقل من مئة ألف؛ لم يهزمه الروس في معركة فاصلة بقدر ما هزمته المسافة بينه وبين مخازنه (وهذا ما سماه كلاوزفيتز لاحقاً نقطة الذروة).. ولهذا أراقب الجوف تحديداً، فهي مساحات مفتوحة وطرق طويلة وقوات بعيدة عن مراكزها، والمقاتل هناك لا يحتاج لهزيمة كي يتراجع، يكفي أن يتأخر عنه الوقود أسبوعاً.
‏أضف لهذا أن هجماته على المطارات، وما أعلنه التحالف عن محاولة تهديد المجال الجوي لمكة المكرمة، تحمله مسؤولية لا يستطيع التنصل منها.. ومع ظهور طوابير الوقود في مناطقه سيجد نفسه مخيراً بين تموين جبهاته أو تموين شوارعه، ومن يعجز عن تشغيل محطة وقود في صنعاء يعجز حتماً عن إدامة جبهة في الجوف.
‏لا أحد يعرف حجم مخزونه الحقيقي، ولكن المخزون الذي لا يُعوض ينتهي في النهاية.. وإن رأينا خلال الأسبوعين الثاني والثالث تراجعاً في وتيرة إطلاقه، وأزمة وقود ظاهرة في مناطقه، وجموداً في جبهتي الجوف والساحل، فخذها مني: بدأ العد التنازلي فعلاً؛ فالجيوش لا تُهزم دائماً حين تفقد سلاحها.. بل حين تعجز عن إيصال جالون وقود لمن يحمله.

4 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي