القدس ليست بطاقة عبور: من سقطرى إلى تل أبيب… ومن التمرد إلى الفضيحة
لم يهرب عيدروس الزبيدي لأن السعودية أرادت اعتقاله، بل لأنه أدرك -متأخراً- أنه لم يعد يُستَخدم كقائد، بل كإيصال. إيصال يثبت من دفع، ومن أمر، ومن يدير من الخارج. والحالّ أنّ الحروب حين تبلغ مرحلة الإيصالات، تنتهي فيها البطولات وتبدأ المحاسبة.
ذاك أنّ السعودية، حين اختارت الكشف لا المطاردة، كانت تمارس أقدم حِكم الدولة: دع خصمك يوقّع على اعترافه بنفسه. لم تُغلق الباب، فتحته نصف فتحة؛ ولم تسمح بالطائرة، بل تركت البحر؛ ولم تمنحه خروجاً كريماً، بل سمحت بهروب فئران يليق بمشروعٍ عاش على الوكالة. هكذا تحوّل “الزعيم” إلى مسار تهريب، و“القضية” إلى رقم رحلة، و“الدولة الموعودة” إلى ظلّ على رصيف.
القائد إذا أُسِر صار رمزاً، وإذا قُتِل صار أسطورة، أمّا إذا هرب صار سؤالاً. والسؤال-حين يتردّد في المعسكرات والقبائل- أقسى من الرصاص. لماذا تركنا؟ ولمن نقاتل الآن؟ ومن الذي يضغط الزناد من الخارج؟ هنا لا تُهزم الزعامة في الميدان؛ تنهار في الوعي.
وهنا انكشفت الإمارات لا لأنها هرّبت رجلاً، بل لأنها لم تستطع إنقاذه إلا بهذه الطريقة. دولة تملك أبراجاً ومطارات، لكنها تعجز عن منح حليفها درج شرف. دولة تتحدث عن الشراكة، فإذا بها تُدير تمرداً من الخارج. لم تحتج الرياض إلى خطاب اتهام؛ التفاصيل قامت مقام البيان. أسماء، توقيتات، أجهزة مطفأة! هذا ليس رأياً، بل محضر ضبط. ومن لحظة نشره، انتهت قابلية الإنكار.
ومنذ تلك اللحظة تحديداً تغيّر توصيف النار. أي عملية مسلحة للمجلس الانتقالي لم تعد “اشتباكاً داخلياً”؛ غدت، أمام العالم، أمراً عملياتياً صادرًا من الإمارات. الرأس في الخارج، الخيوط مكشوفة، واليد التي تُحرّك معروفة. الرصاصة لم تعد تُقرأ في عدن أو أبين، بل في عواصم القرار. هكذا تتحول البندقية من أداة ضغط إلى دليل إدانة؛ وهكذا يصير السلاح عبئاً على حامله.
ولأن الدولة التي تفهم السياسة تعرف متى تُضيف “الملح”، تركت الوقائع تفعل فعلها، وأضافت الصفعات في مواضعها لا في الواجهة:
الصفعة١: الفنادق أو جُحور لفئران السفينة؟
سُخِر طويلاً من “شرعية الفنادق” في الرياض. واليوم دار الزمن دورته، لا إلى فندقٍ آخر، بل إلى جُحور. من استهزأ بالإقامة الرسمية انتهى يسلك ممرّات القوارض السياسية: خروجٌ ليليّ، مسارات ظلّ، وأجهزة مطفأة. الرياض استضافت رؤساء بطلبٍ شرعي؛ أمّا أبوظبي ففتحت جغرافيا الجُحور لإخفاء فارين بغطاء استخباراتي شفاف.
الصفعة٢: وهم الإدارة.
وُعِد الجنوب بـ“سنغافورة جديدة”، فإذا الواقع كهرباء مقطوعة وخدمات متآكلة. تبيّن أن “الكفاءة” المزعومة تقف عند إدارة المعسكرات لا بناء المدن. النموذج الذي يُسوَّق أبراجاً في الخارج، ظهر في اليمن ميليشياتٍ شاهقة الخراب؛ ليست شتيمة، بل حصيلة تجربة.
الصفعة٣: الرهان الخاسر المتكرر.
من دخلان إلى حفتر إلى حميدتي إلى الزبيدي، النمط واحد: وعود تمكين، ثم نهايات في ظل العار. يبدو أن في أبوظبي خط إنتاج للجنرالات الخاسرين، نفس التغليف ونفس النهاية. من يربط مصيره بالوكالة لا يحصد دولة، بل منفى.
ثم نصل إلى بيت القصيد: الموانئ وسقطرى. حين تنكشف الأوامر، تنكشف الأطماع. لم تكن الاشتباكات يوماً دفاعاً عن “قضية”، بل تأمين أصول: موانئ تُدار كخزائن، وجزر تُعامل كعقود إيجار طويلة. سقطرى ليست “هوية”، بل رصيف؛ وعدن ليست “عاصمة”، بل بوابة. هكذا تُقرأ الخرائط حين تُدار كدفاتر حساب، لا كأوطان.
ولا يمكن فصل ذلك عن المقايضة مع إسرائيل. ما سُمي “قفزة شجاعة” كان بيعاً للثوابت مقابل وهم الحماية. القدس ليست بطاقة عبور إلى العظمة، ومن يفرط بها لا ينال احتراماً، بل طلباً متزايداً للتفريط. في المقابل، بدا الموقف السعودي كما هو: دولة مركز لا تشتري دوراً بدم القدس، وتفهم أن الثبات يصنع الاحترام، لا الصور.
والحال أن الرسالة إلى من تبقى في الميدان لم تعد تحتاج شروحاً: المشروع الذي تقاتلون باسمه لم يعد مشروعاً، بل فاتورة مؤجلة. الرأس غادر، والخيوط انكشفت، وأي خطوة الآن تُقرأ إيصالاً جديداً يُضاف إلى الملف. في مثل هذه اللحظات، لا تكون العودة إلى الدولة هزيمة، بل استعادة للعقل.
ذاك أن السفينة غادرت بالفعل، لكن البحر لم يرحل. ومن يقف حارساً على رصيفٍ أُطفئت أنواره، يحرس فراغاً لا ميناء. الخيار صار عارياً: إمّا أن تعود إلى الدولة فتضع سلاحك حيث تُحسب الخطوات، أو تبقى خلف ظلٍّ يتقلص، فتغرق وأنت تؤمّن مخزناً بلا بضائع. أغلب الظنّ أنّ التاريخ لا يرحم من أخطأ مرة، لكنه يسجّل بقسوة من أصرّ بعد انكشاف الخريطة.
السعودية جعلت هروبه دليلاً. لم تُسقط مشروعاً بالقصف، نزعت عنه معناه. هكذا تُدار الدول حين تُريد أن تُوجِع بلا دم.