01 أغسطس 2026

حين فشل الرادار، قصفوا نسب السيسي

 كيف دفنت «المتحدة» مسيّرة دمياط في أرحام الجاهلية، فأصابت الصحابة وقبائل مصر
لم يعد محمد قنديل يملك باباً اسمه «أسيء فهمي». واجهته بأن قوله عن ناشري الإسلام إنهم «أحفاد نكاح الرهط والبدل والاستبضاع وصاحبات الرايات الحمر» يطعن في صحابة رسول الله، فلم يستدرك، ولم يعتذر، ولم يقل إن الصحابة خارج مقصده؛ بل اقتبس ردي وكتب متحدياً: «أنا لم أقذف أحداً.. هذا تاريخكم وأنواع نكاحكم كما أوردتموها في كتبكم.. كذّب التاريخ وسأصدقك».
هنا قامت عليه الحجة، فقرر أن يوقع محضرها بنفسه.
كان يمكن حمل عبارته الأولى على جهلٍ اختلط بغضب، أو على لسان انفلت من صاحبه في سوق الفلورز؛ أما الثانية فإصرار بعد العلم. من يقول «من نشروا الدين»، ثم يُنبه إلى أن الصحابة في صدر من نشره، فيجيب: «هذا تاريخكم»، لم ينفِ دخولهم في العموم؛ بل تمسك بالعموم بعد كشف نتيجته. والمضحك أنه فعل ذلك وهو يزعم الدفاع عن دينٍ لم يصل إليه إلا بسندٍ بشري يبدأ بأولئك الذين قذف أنسابهم
أما «التاريخ» الذي يتحدانا قنديل أن نكذبه، فلا يقول ما قاله. حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري وهو من أحاديث "الأحاد" يصف أربعة أنحاء من النكاح وجدت في الجاهلية؛ أولها الزواج المعروف بولي ومهر، ثم صور أخرى نادرة أبطلها الإسلام. لا يقول الحديث إن العرب جميعاً مارسوها، ولا إن الصحابة ولدوا منها، ولا إن كل من نشر الإسلام حفيد بغي. أخذ قنديل وجود ممارسات نادرة داخل مجتمع عرف بأنه أشد أمم الأرض حفاظًا على نسبه، فحولها إلى شجرة نسب لأمة كاملة؛ جمع التعميم المتسرع ومغالطة التركيب والطعن الجيني، ثم أطلق على هذا الخليط اسم «التاريخ».
وبمنطقه العبقري، يكفي أن يثبت المؤرخ وجود البغاء المقنن في مصر حتى وقت قريب، ورخص الدعارة، حتى يصبح المصريون أحفاد بغايا، وأن يثبت وجود اللصوص في القاهرة المملوكية حتى تصير كل عائلة مصرية سليلة قاطع طريق، وأن كل من كانوا تحت فرعون كانوا عبيدًا؛ فالمصريون اليوم من نسل العبيد لالاف السنين، عندها لا تعود كتب التاريخ سجلاً للمجتمعات، بل دفاتر قذف جماعي؛ وكل شعب في الأرض ابنٌ لأسوأ خطيئة وقعت على أرضه.
هذه ليست قراءة للتاريخ؛ إنها عقلية رجل دخل المكتبة باحثاً عن مرحاض للخصومة.
لكن ما الذي جاء بنكاح الرهط والاستبضاع وصاحبات الرايات إلى ميناء دمياط أصلاً؟
الجواب في السماء، لا في كتب الأنساب. فقد أعلن مجلس الوزراء المصري، بعد التحقيقات الأولية، أن الحريق الذي أصاب سفينتين في ميناء دمياط يوم التاسع والعشرين من يوليو سببته طائرة مسيرة، ولم تُعلن جهة مسؤوليتها. بهذا خرجت مسيرة شرودنغر من الصندوق: موجودة في بيان الحكومة، بعدما كانت معدومة في استوديوهات "المنكرين"
كان السؤال الطبيعي: من أطلقها؟ من أين انطلقت؟ كيف وصلت إلى منشأة حساسة؟ هل جاءت من الخارج أم أُطلقت من نقطة قريبة؟ ما الذي رأته أنظمة الرصد، وما الذي لم تره؟ ولماذا جزم أراجوزات الرواية الفنية بنفي الضربة قبل اكتمال التحقيق؟
بيد أن هذه أسئلة ثقيلة؛ لأنها تنتهي إلى المسؤولية والكفاءة والكلفة. أما نكاح الجاهلية فخفيف، لا يحتاج راداراً ولا لجنة تحقيق؛ يحتاج فقط رجلاً قليل الحياء، وهاتفاً، وتعليمات عامة بأن العدو هو كل من سأل.
فانتقل قنديل وأشباهه من سماء دمياط إلى أرحام الموتى. لم يستطيعوا إسقاط المسيرة، فأسقطوا الحوار في بئر النسب.
هذه هي الرنجة الحمراء في أكثر صورها بدائية: حين يُسأل الإعلامي عن ثغرة أمنية، يجيب بمحاضرة في نكاح الاستبضاع. وحين يُسأل أين كانت الدفاعات، يفتح كتاب البخاري مؤولًا رواية وتعميمها إلى شتيمة بذيئة. ولو امتلك هذا الرجل نصف الجرأة التي ينفقها على نساء الجاهلية، لوجه سؤالاً واحداً إلى الجهة التي عجزت عن منع ما اعترفت به الحكومة!
ثم حضرت مغالطة «وأنت أيضاً»: إيران ضربت الخليج، فلماذا لم يرد الخليج؟ وحتى لو افترضنا وتنزلنا أن كل رادارات الخليج كانت نائمة، وأن دوله لم ترد قط؛ فكيف يوقظ ذلك رادار دمياط؟ فشل غيرك، إن ثبت، ليس منظومة دفاع جوي لك، كما أن احتراق مستشفى في الرياض لا يطفئ حريقاً في القاهرة. لكنه منطق الماكينة "المتحدة": إذا تعذر نفي الحادث، ابحث عن حادث آخر؛ وإذا عجزت عن الدفاع عن مصر، حاكم السعودية والعرب.
والحال أن «الشركة المتحدة» ليست نادياً بريئاً تتشابه فيه الآراء صدفةً. معلوم تبعيتها المباشرة للمخابرات المصرية. لهذا لا أحتاج إلى صورة من مجموعة الواتساب في هاتف قنديل كي أفهم وظيفة خطابه؛ فالتوقيت واحد، والقاموس واحد، والخصوم أنفسهم، والنتيجة واحدة: نقل القضية من مساءلة الدولة إلى محاكمة من سألها. والمخجل أنها ليست لجان تكتب بحسابات مستعارة فحسب؛ بل اسماء حقيقية معروف أصحابها وعناوينهم، فإذا قلنا أن هناك موافقة معلنة أو ضمنية بالسكوت كان هذا الاحتمال الراجح بدون شك.
قد لا تكون عبارة «اذهبوا إلى نكاح الرهط» مكتوبة في تعميم رسمي؛ فحتى العبث له حدود إدارية. لكن قنديل أدى وظيفة الماكينة كاملة، وزاد عليها من جيبه: بدأ بصرف الأنظار عن المسيرة، وانتهى بحماقة لإشعال فتنة دينية وقبلية داخل مصر نفسها. ظن أنه يقصف الخليج، ولم ينتبه إلى أن العروبة ليست تأشيرة خليجية، وأن القذيفة حين تُطلق على النسب العربي لا تتوقف عند منفذ الحديثة. وتبقى موافقة الصمت حجة على الشركة المتحدة مهما اعتذرت وناورت.
وسؤالي لإبراهيم العرجاني: يا رئيس اتحاد القبائل العربية، ويا ابن الترابين: هل يشمل «تاريخكم» الذي يقصده قنديل قبيلتك أيضاً؟ وماذا عن السواركة والرميلات والحويطات ؟ ماذا عن جهينة وبني سليم والرشايدة والهوارة، والسادة الأشراف في أنحاء مصر؟ هل أعدد باقي قبائل وعوائل مصر العربية؟ أم هل منحكم قنديل شهادة استثناء من نكاح الرهط، أم أن دوركم الوطني مطلوب حين تقاتلون الإرهاب، ثم يصبح نسبكم مادة للتهكم حين يحتاج أراجوز إلى إخفاء مسيرة؟ وقد أعلن مشايخ من الترابين أن الاتحاد بقيادة العرجاني يقف خلف الرئيس السيسي؛ فهل يقبل الاتحاد أن يقف خلف رئيسٍ تصمت مؤسسات دولته عمن طعن في نسب قبائله؟
ويا سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، أقول لك ما أعرفه منك لا ما نقلته مشجرات الإنترنت: حين كنت تعمل ملحقاً عسكرياً في الرياض، وفي دعوة عشاء لدى الفريق علي الخليفة، حدثتنا عن انتساب أسرتك إلى الحسن أو الحسين رضي الله عنهما. لا أجزم الآن أياً منهما ذكرت؛ فقد مضى على اللقاء زمن، لكنني أجزم أنك اعتززت أمامنا بنسبك إلى آل بيت رسول الله، وعمدي على ذلك شهود عدول لو أحببت لسميتهم؛ فهل استثناك محمد قنديل سراً من «تاريخه»؟ والسؤال موجه إلى محمود السيسي أيضًا!
هل حين قال إن من نشروا الدين أحفاد تلك الأنكحة كان يقصد جميع الفاتحين والقبائل والأشراف إلا أسرة رئيس الجمهورية؟ أم أن الذراع الإعلامية التي تزعم حماية هيبة الجيش انتهت، في لحظة فهلوة، إلى الطعن في النسب الذي حدثنا عنه قائده الأعلى؟
هذه هي الحماقة الاستراتيجية في صورتها النقية: أن تحاول حماية سقف الدولة بإحراق أساساتها. أن تهرب من سؤالٍ عن مسيرة فوق الميناء، فتزرع فتنة بين العرب وغير العرب داخل البلد. أن تصون صورة الجيش في النشرة بإهانة قبائل حاربت معه في سيناء وأخرى في جيشه وعوائل معروفة هي عنصر لا يمكن فصله عن النسيج القومي. وأن تحول الاعتزاز بالحضارة المصرية إلى قومجية كيميتية عنصرية لا تكتفي بنفي عروبة مصر، بل تحتاج إلى تلويث أنساب العرب والإسلام كي تشعر أنها استعادت الفراعنة
ومصر، كما قلت مراراً، ليست الشركة المتحدة؛ ولا شعبها أراجوزات تعليماتها. مصر بلد الأزهر، وبلد قبائل عربية أصيلة، وبلد أقباط أجلاء أعرف أن كثيراً منهم يجلون صحابة رسول الله أكثر من هذا المتستر خلف كلمة «التاريخ». الضحية الأولى لهذه الماكينة ليست السعودية والخليج؛ بل صورة مصر التي حولتها من بلد الثقافة إلى استوديو يطفئ الحرائق بمزيد من البنزين.
ويا فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، ويا مفتي الجمهورية نظير عياد، ويا وزير الأوقاف أسامة الأزهري، ويا عباس شومان أمين عام هيئة كبار العلماء: لا أطلب منكم اجتهاداً جديداً. دار الإفتاء المصرية نفسها أصدرت فتاوى صريحة في حرمة سب الصحابة والتطاول عليهم، ووصفت ذلك بما يليق من التحريم والتغليظ. والرجل أمامكم نُبه إلى دخولهم في عبارته، ثم أصر وقال: «هذا تاريخكم». فهل يحتاج الأمر إلى أن يكتب أسماء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي واحداً واحداً حتى تسمعوه؟ أم أن العموم يصبح غامضاً فقط حين يؤدي صاحبه وظيفة سياسية نافعة؟
ويا نيابة مصر وقضاءها: لا أصدر حكماً مكانكما، ولا أطلب إدانة بلا تحقيق. أسأل فقط: هل الطعن العلني في نسب حملة الإسلام، بعد قيام الحجة والإصرار، يستحق أن يُسئل صاحبه عن مقصده؟ وهل حماية النسيج الوطني مبدأ يطبق على خصوم السلطة وحدهم، ثم يأخذ إجازة حين يكون مشعل الفتنة محسوباً على ماكينة خطابها؟ وماحكم ذلك في دستوركم وقوانينكم؟
سبق أن وثقت تطاول قنديل على الملك عبدالعزيز رحمه الله؛ حذف عبارته يومها وهو ذليل، وأقفل حسابه فترةً وهو حسير، ثم عاد بعدما بردت الأزمة. لا أجزم بمن ضغط زر الإيقاف أو من فتح الباب للعودة، لكن الحادثة أثبتت أن خفض صوته ممكن حين ترتفع الكلفة السياسية. فهل حرمة العلاقات بين الدول أعلى عندكم من حرمة صحابة رسول الله؟ وهل تعرف الماكينة كيف تضبط أداةً حين تمس ملكاً، ثم تفقد زر التحكم حين تمس أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً والعشرة المبشرين بالجنة وأصحاب بدر وأهل بيعة الرضوان وكافة الصحابة الأجلا
المشكلة، إذن، لم تعد في محمد قنديل وحده؛ فهذا أصغر من أن يحمل كل هذا الخراب على كتفيه. المشكلة في عقلٍ أمني يظن أن كل أزمة تُعالج بعدو داخلي، وأن كل سؤال يُدفن بهاشتاق، وأن هيبة الجيش تُصان إذا شُتم خصومه المُتخيلين بما يكفي.
لكنه لم ينتبه هذه المرة إلى الصورة الأكبر: وهو يهرب من مسيرة مجهولة، أطلق مسيرةً إعلامية بلا تمييز؛ أصابت الصحابة، ونسب الرئيس، وقبائل سيناء والصعيد وعوائل، والأزهر، والمسلمين عامة، ووحدة المجتمع المصري.
لقد أصابت المسيرة الأولى سفينتين في دمياط؛ أما مسيرة «الشركة المتحدة» فأصابت أساسات مصر نفسها.
فيا سيادة الرئيس، ويا شيخ الأزهر، ويا مفتي الجمهورية، ويا إبراهيم العرجاني: هل عجز الرادار عن الأولى، وتعجز الدولة عن الثانية؟ 

11 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي