03 يناير 2026

شرطي الخليج لا يكتب تغريدات:حين اختبرت الإمارات الخط الأحمر السعودي

‏ليست المشكلة أن الإمارات اختلفت مع السعودية؛ فالاختلاف بين الدول طبيعي، بل ضروري أحيانًا. المشكلة أن الخطاب الإماراتي -كما كتبه علي النعيمي ونظّر له عبدالخالق عبدالله- حاول تحويل اختبار سيادي صلب إلى “سوء إدارة خطاب”، واستبدال وقائع الميدان ببلاغة التضحيات. والحالّ أنّ الدولة لا تُدار كقصيدة أخلاقية، ولا تُحمى بعناوين الشراكة، بل بميزان واحد لا يرحم: أمن، حدود، قرار… ثم تُكتب المقالات.
‏ذاك أنّ النعيمي بنى سرده على فرضية مسمومة: التضحية تمنح حصانة، والشراكة تُعلّق القواعد، ومن “شارك” لا يُسأل عمّا يفعل بعد المعركة. هذه ليست شراكة، بل شيك مفتوح. من قاتل تحت مظلة الشرعية يُكرَّم ما دام تحتها؛ فإن خرج عنها، أو سلّح خارجها، أو حرّك وكلاء ضدها، سقطت كل الحكايات. الدم شرف أخلاقي، لا عملة سياسية تُشترى بها الموانئ ولا تفويض يُبيح العبث بخاصرة أمن قومي ثم طلب التصفيق على “النوايا”.
‏أما عبدالخالق عبدالله فاختصر الحيلة في إطار نفسي جاهز: “الأخ الأكبر” و”السمع والطاعة” و”تعدد مراكز الثقل”. هنا لا نكون أمام تحليل، بل إسقاط نفسي: تحويل مركز الثقل إلى عقدة، وتحويل شرط السيادة إلى استبداد. السعودية ليست “أخاً أكبر” بالتسلط، لكنها أخ أكبر بالمسؤولية. الفرق بينهما هو الفرق بين من يدفع كلفة الاستقرار ومن يكتفي بقطف ثماره. مركز الثقل لا يُعلَن في تغريدة؛ يُفرَض بالقدرة على الردع، وتحمل الكلفة، وإغلاق الثغرات حين ينهار الإقليم. ومن يرفض هذا التعريف لا يرفض الأخ الأكبر، بل يرفض الاعتراف بأن بعض الدول كبيرة فعلاً.
‏وجذر الإشكال أعمق: قلق النموذج. النموذج الإماراتي عاش طويلاً على فرضية أنه “الاستثناء الحديث” بجوار شقيق محافظ. اليوم، ومع نهوض السعودية وتحولها مركز جذب واستثمار وقرار، تآكلت ميزة الاستثناء كما يتآكل الجليد تحت شمس الصحراء. هنا يبدأ الارتباك: شريك واثق يتحول إلى منافس قَلِق، يبحث عن نفوذ خارجي سريع، كمن يشتري أثاثاً فاخراً لبيت بلا أساسات.
‏ويتعزز هذا القلق بعقل سياسي مراهق. دولة لم تختبر خطر البقاء، فتكوّن لديها غرور الأمان. ثراء سريع أنتج ثقة سريعة، ثم قلقاً من الحجم. يغدو الإقليم محفظة فرص، والدول ملفات، والموانئ أصولاً، والتحالفات علاقات عامة؛ كأن الجغرافيا تُدار كما تُدار الاستثمارات. سرعة بلا عمق، ومناورة بلا حدود، وثقة بلا جذور. ومن لا جذور له، يكثر أغصانه.. ثم تأتي ريح سيادة واحدة فتعرّي الشجرة.
‏تتجلى الفجوة بين المراهقة السياسية والرزانة الاستراتيجية حين نضع الوقائع جنباً إلى جنب. في 2019، انسحاب جزئي مفاجئ من اليمن دون تنسيق مع الرياض، في لحظة حرب مفتوحة. في لغة الدول الكبيرة: خلل ثقة؛ وفي منطق المراهقة: مناورة إحراج تُسجّل “استقلال قرار” ولو بترك الحليف في واجهة الاستنزاف. هذا ليس ضبط أدوار، بل عبث بتوازن حرب.
‏ثم جاءت القفزة البهلوانية نحو الاتفاقيات "الانبطاحية" مع إسرائيل في لحظة كانت فيها القدس تُنزف، والمنطقة تغلي، والوجدان العربي على حافة الانكسار. لم تكن تلك جرأة سياسية، بل مقايضة: بيع الثوابت العربية والإسلامية مقابل وهم قوة دولية وحماية متخيّلة. ظنّ أصحاب القفزة أن الطريق إلى العظمة يمر عبر تل أبيب، وأن التخلي العلني عن فلسطين سيُترجم نفوذاً وأماناً؛ فإذا هو لا يمنح إلا صورة زائفة لدولة استعجلت الاعتراف الخارجي على حساب احترامها لذاتها.
‏والحالّ أنّ السعودية لم تمتنع لأنها “لا تستطيع”، بل لأنها لا تريد أن تشتري دوراً دولياً بدم القدس مهما كانت الضغوط والمغريات، أو قل: هي المبادئ التي لاتشترى.
‏وذروة المراهقة كانت في صراع الموانئ: عدن وسقطرى كـ“أصول استثمارية” وسط حرب استنزاف، لا كمفاصل سيادية لاستقرار إقليمي. حين تُدار الدولة كمحفظة، تُختزل السيادة إلى بند، وتتحول الحرب إلى فرصة، ويُعاد تعريف الحليف كمتغيّر ثانوي.
‏ويكتمل النمط في السودان. المنطق ذاته: تدخل عبر وكلاء، خطاب “استقرار”، ثم انفجار فوضى، ثم إنكار. دعم قوات التمرد السريع لم يكن قراءة لحاجات دولة منهارة، بل رهاناً مراهقاً على حسم سريع عبر وكلاء يقلّلون كلفة الدم على مواطني الدولة الداعمة، ويضاعفون الكلفة على المجتمع المنهار.
‏وتنهار السردية أكثر عند سؤال السيادة الحقيقي. من يُكثر الحديث عن “رفض التبعية” هو ذاته صاحب أثقل شبكة تجارة مع إيران في الخليج، وصاحب جزر محتلة لم تُطلق لتحريرها طلقة. هناك تختفي لغة الكرامة وتظهر لغة الربح والخسارة؛ أمّا هنا، في اليمن والخاصرة السعودية، فتستيقظ بطولة زائفة وطعن من الخلف.
‏لهذا، حين نقول إن السعودية الأخ الأكبر، فنحن نصف وظيفة. في زمن السلم، قد يكتفي بقرصة أذن؛ لكن حين يتحول الشغب إلى تهديد، يتقدّم شرطي الخليج  ليُعيد النظام، بلا ضجيج وبلا اعتذار.

5 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي