صرخة في وجه الطوفان الرقمي: معركة الهوية في عصر الخوارزميات
في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية أكثر ذكاءً من أصحابها، وغدت الشاشات الصغيرة بوابات عملاقة لعوالم لا حدود لها، نجد أنفسنا أمام معضلة وجودية: كيف نحافظ على هويتنا السعودية في خضم هذا الطوفان الرقمي الجارف؟
لنكن صرحاء؛ إننا نواجه حرباً صامتة على عقول أبنائنا وبناتنا. حرب لا تُستخدم فيها الدبابات والصواريخ، بل أسلحة أشد فتكاً: الخوارزميات والبكسلات والهاشتاغات. إنها معركة لا تدور رحاها في ميادين القتال، بل في غرف النوم وعلى شاشات الهواتف.
دعوني أضع أمامكم صورة واقعية لما نواجه. تخيلوا معي سارة، طالبة الثانوية السعودية البالغة من العمر 17 عاماً. تستيقظ على إشعار من تيك توك يقترح عليها فيديو عن "حرية الجسد". تفتح إنستغرام لتجد إعلاناً عن حفلة موسيقية غربية "صاخبة" تنادي بتجربة "المثلية". أثناء الفطور، تشاهد مسلسلاً أمريكياً على نتفليكس يصور العلاقات المثلية وكأنها أمر طبيعي. في المدرسة، تتصفح تويتر لتجد هاشتاغ #لا_للحجاب يتصدر الترند. في طريق العودة، تستمع إلى بودكاست يسخر من "رجعية" المجتمعات المحافظة. وقبل النوم، تقضي ساعة على يوتيوب تشاهد فيديوهات عن "الإلحاد العلمي".
هذا ليس سيناريو خيالياً، بل واقع يومي لكثير من شبابنا.
خذوا هذه الاحصائيات الموثقة والمفجعة:
السعودية:
•في يناير 2023، كان هناك 29.10 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي في السعودية، أي بنسبة 79.3٪ من إجمالي عدد السكان1.
•في بداية عام 2024، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في السعودية 36.84 مليون، مع معدل انتشار الإنترنت 99.0٪.
•كانت السعودية موطنًا لـ 35.10 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي في يناير 2024، أي ما يعادل 94.3% من إجمالي عدد السكان.
•متوسط مدة الاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي يصل إلى 3 ساعات و 6 دقائق.
كيف نفسر هذه الاحصائيات بلغة الأرقام الصارخة؟ الجواب: أن مارك زوكربيرغ وتيم كوك وملاك جوجل وبقية "عتاولة التواصل الاجتماعي" ومنصات البث مثل "نيتفليكس" وشقيقاتها؛ أصبحوا أكثر تأثيراً على أبنائنا من آبائهم ومعلميهم وأئمة مساجدهم مجتمعين!
لكن دعونا نتوقف للحظة ونسأل أنفسنا: ما الذي يجعل هذه المنصات قوية لهذه الدرجة؟ الإجابة تكمن في كلمة واحدة: الخوارزميات. هذه البرامج الذكية التي تحلل كل نقرة، كل إعجاب، كل ثانية تقضيها في مشاهدة فيديو، لتقدم لك المزيد من المحتوى المشابه. إنها أشبه بتاجر مخدرات ماهر، يعرف بالضبط الجرعة التي تحتاجها لتبقى مدمناً.
هذه الخوارزميات ليست مجرد سطور برمجية عابرة، بل هي أفاعٍ رقمية سامة، تتسلل بخبث إلى عقول شبابنا، تنفث سمومها الفكرية في صمت قاتل. إنها تحول هويتنا الوطنية الراسخة من حصن منيع إلى قلعة رملية هشة، تتآكل أمام أمواج التسونامي الرقمي الهادر. وفي كل نقرة، في كل تمرير للشاشة، في كل إعجاب وتعليق، نرى جزءًا من تراثنا يذوب، وقطعة من قيمنا تنجرف في بحر العولمة الرقمية اللامتناهي.
لنأخذ مثالاً تقنياً بسيطاً: خوارزمية "التوصية" على يوتيوب. تبدأ بمشاهدة فيديو عن الرياضة، فتقترح عليك فيديو آخر عن الرشاقة، ثم عن أنظمة الحمية، ثم عن "قبول الجسد"، وقبل أن تدرك، تجد نفسك تشاهد محتوى يروج لأفكار غريبة عن "الحرية الجسدية" تتعارض مع كل قيمنا. هكذا، خطوة خطوة، تقودك الخوارزميات إلى حيث تريد هي، لا إلى حيث تريد أنت.
والأخطر من ذلك هو ما يسمى بـ "غرف الصدى" الرقمية. حيث تحيطك الخوارزميات بمحتوى يؤكد معتقدات مفروضة عليك فقط وبتدرج وذكاء، مما يخلق فقاعة معلوماتية تعزلك عن الآراء المخالفة. تخيل شاباً سعودياً بدأ يشك في عقيدته، فتغذيه الخوارزميات بمحتوى إلحادي باستمرار، حتى يصبح الإلحاد بالنسبة له حقيقة مطلقة لا جدال فيها!
لكن دعونا لا نستسلم للعويل والنحيب. فكما قيل: "الباب اللي يجيك منه الريح، سده واستريح". وهذا بالضبط مابدأت السعودية في فعله فيما يبدو أنها "تجربة لأثبات المفهوم POC". فحجب خاصية البث المباشر في تيك توك كان خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح. نعم، أثارت الخطوة جدلاً، لكنها فتحت الباب أمام إبداع محلي تمثل في تطبيق "جاكو" السعودي.
"جاكو" ليس مجرد تطبيق، إنه صرخة استقلال رقمية في وجه الاستعمار التكنولوجي. إنه يثبت أننا قادرون على صنع بدائل تحترم قيمنا وتلبي احتياجات شبابنا. لكن هل يكفي تطبيق واحد لمواجهة طوفان الغزو الثقافي القادم من وادي السيليكون؟ بالطبع لا!
ما نحتاجه هو ثورة رقمية سعودية شاملة. ثورة تبدأ من المدارس، حيث نعلم أطفالنا كيف يفكرون، لا كيف يستهلكون. ثورة تمتد إلى الجامعات، حيث نطور "مختبرات الهوية الرقمية" لدراسة وتفكيك الخوارزميات الغربية. تخيلوا لو أن جامعة الملك سعود أنشأت قسماً لـ "هندسة الخوارزميات الأخلاقية"، يطور خوارزميات تحترم قيمنا وتراثنا. أليس هذا أولى من استيراد خوارزميات مصممة لمجتمعات أخرى؟
لذا، أقترح خطة من ست نقاط لمواجهة هذا التحدي:
1. "المناعة الرقمية": لنطور مناهج دراسية تعزز التفكير النقدي وتبني "جهاز مناعة فكري" ضد الأفكار الدخيلة. ليكن هدفنا أن يكون كل طالب سعودي قادراً على تفكيك أي محتوى رقمي وتحليله نقدياً.
2. "السيادة الرقمية": لنستثمر في تطوير منصات وتطبيقات محلية تحترم قيمنا وتعزز هويتنا. فكما نسعى للاكتفاء الذاتي في الغذاء والسلاح، علينا أن نسعى للاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا. ولنستفد من التجربة الصينية والروسية بذلك.
3. "الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع": لندرب "جيشاً" من السفراء الرقميين لنشر ثقافتنا وقيمنا عبر الإنترنت. فلماذا لا نصدّر قيمنا كما نصدّر نفطنا؟
4. "الشراكة مع الشباب": لنشرك الشباب في صناعة القرار الرقمي. فلنؤسس "مجلس الشباب الرقمي" يضم ممثلين عن الشباب لمناقشة السياسات الرقمية وتطويرها.
5. "الابتكار الأخلاقي": لنطور خوارزميات ذكية تحمي القيم وتعزز الهوية. فلماذا لا نطور خوارزمية "ذكاء اصطناعي سعودي" تساعد في الإفتاء وتعليم الدين وتكريس الوطنية والعادات الأصيلة وكشف السبهات ومواجهة التحديات بطريقة عصرية؟
6- "سيادة البيانات" : فرض استضافة بيانات السعوديين في الأراضي السعودية وهضوعها للأنظمة السعودية، وتجربة الاتحاد الأوروبي تستحق النظر والاهتمام.
ولنكن واضحين: هذه الخطوات ستؤثر حتمًا على صورتنا الذهنية، خاصة مع الغرب. سيتهموننا بالانغلاق والرجعية. لكن علينا أن نسألهم: ألم تفرضوا أنتم قيودًا على شركات التقنية الصينية بحجة الأمن القومي؟ ألم تطوروا أنظمة رقابة متطورة لمحاربة ماتسمونه الإرهاب؟ فلماذا يُمنع علينا ما هو مباح لكم؟
إن قضية سيادة البيانات تبرز هنا كأولوية قصوى. فاستضافة بيانات مواطنينا داخل المملكة ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية. أتدرون أن اكثر من 95% من بيانات السعوديين مخزنة على خوادم أمريكية وصينية؟ هذا يعني أن المخابرات الأجنبية لديها صورة أوضح عن عاداتنا واحتياجاتنا من حكومتنا نفسها! ألا يستحق هذا وقفة جادة؟
تخيلوا معي "مركز المعلومات الوطني"، يحوي كل بيانات المواطنين السعوديين. هذه البيانات، إذا أُحسن استغلالها، ستمكننا من تطوير خدمات حكومية أكثر كفاءة، وتحسين الرعاية الصحية، وحتى التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية لمدننا وشعبنا. ألا يستحق هذا الحلم الاستثمار فيه؟
لكن الأمر لا يتوقف عند حد الخدمات. إن سيادة البيانات هي قضية أمن وطني بامتياز. فقد رأينا كيف تم استغلال يوتيوب في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تم حجب الرواية الروسية بالكامل والترويج للرواية الأوكرانية. هذا ما دفع روسيا لحجب يوتيوب بالأمس. ألا يثير هذا تساؤلات حول مدى اعتمادنا على المنصات الأجنبية؟
وماذا عن التطبيقات التي تُستخدم لتعكير السلم الاجتماعي؟ ألم تحجب روسيا وفنزويلا تطبيق "سيجنال" لهذا السبب؟ وفي المقابل، نرى فيسبوك ويوتيوب يتعاونان بشكل فاضح مع السلطات البريطانية لمنع نشر أي منشورات حول أحداث العنف الحالية في بريطانيا. بل إن هذه الشركات تقدم عناوين من ينشرون هذه المنشورات للحكومة البريطانية، التي تقوم باعتقالهم على الفور.
ولا ننسى الواتس اب؛ الذي يستخدم خاصية التشفير ولا يملك مفاتيحه إلا "العيون الخمس"، واضطروا صاغرين أن يعطوها الهند بعد أن هددت بحجبه.
هذا يكش أن "حرية الكلمة" التي يتشدق بها الغرب هي كذبة موجهة للدول غير الغربية فقط. أما حين يتعلق الأمر بأمنهم الوطني، فإنهم لا يتورعون عن ممارسة القمع المنظم بأبشع صور النفاق السياسي.
فإذا كانت الدول الغربية، بكل ديمقراطيتها المزعومة، تتخذ إجراءات صارمة لحماية أمنها الرقمي، أفلا يحق لنا نحن، كدولة ذات سيادة، أن نتخذ الإجراءات اللازمة لحماية هويتنا وأمنن؟
وكما قال المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم". فهل نحن أهل عزم في هذا العصر الرقمي؟ الإجابة لا تكمن في أقوالنا، بل في أفعالنا. في كل نقرة على الماوس، في كل سطر برمجة نكتبه، في كل تطبيق نطوره.
وأختم: إذا كان أجدادنا قد نجحوا في الحفاظ على هويتهم في عصر الغزو العسكري والاستعمار التقليدي، فهل سننجح نحن في الحفاظ على هويتنا في عصر الغزو الرقمي والاستعمار الافتراضي؟ الإجابة تكمن في أيدينا، وفي عقولنا، وفي "إرادتنا الجمعية" كأمة تأبى الذوبان في بحر العولمة الرقمية المشبوه.
موضوع مرتبط : بريطانيا تهدد باعتقال ايلون ماسك بسبب تغريداته عن أحداث الشغب ببريطانيا، وعدم التعاون "التام" من منصته للتعتيم الإعلامي عن الشغب في بريطانيا!
https://x.com/BRICSinfo/status/1822330854854594873