28 مارس 2025

‏عندما يصبح الذكاء الاصطناعي راوي التاريخ: هل نخضع لمستقبل بلا ذاكرة؟

في البدء كان السرد. وقبل أن يحترف الإنسان النار أو اللغة، صار الراوي سيّد القبيلة ومؤسّسها. وإذ عُرفت المجتمعات البشريّة بأسماء من سردوا ماضيها، أو تمخّضت من ملاحم صنعها الرواة، عاد طبيعيّاً أن تكون كتابة التاريخ هي الملكيّة الأولى. ذاك أنّ الراوي قد يكون ذا لحية أو أمرد، عارفاً أو مخادعاً، صادقاً أو كذوباً، لكنّه دائماً بشريّ... حتّى كان الذكاء الاصطناعيّ وصار المؤرّخ ليس شيخاً أو شابّاً، بل آلة تقوم على اعتبار طرفها الآخر مادّة للطحن الرقميّ والإعادة الخوارزميّة.
والحال أنّ نماذج الذكاء الاصطناعيّ التوليديّة تغدو أشبه بسلطة مركزيّة جديدة، فرض سكّان الغرب أنفسهم سكّاناً تشريعيّين لها، صانعين قوانينها وقواعدها في مختبراتهم، ومطوّرين خوارزميّاتها ونماذجها في مقارّ شركاتهم العملاقة. وهؤلاء، بحكم احتكارهم لمراكز الإنتاج المعرفيّ، يقفون على ناصية التاريخ، المكتوب سلفاً والذي يُكتب الآن، والآتي أيضاً. بتعبير آخر، إنّهم أمناء صندوق سريّ للتاريخ، نقتبس منه ونقتدي بتقنيّاته في كلّ مرّة نتّصل بالنماذج اللغويّة العملاقة، وفي كلّ مرّة نطلب المعرفة من مزوّديها الاصطناعيّين.
ما يُدّعى بـ"حياد" الآلة إنّما هو طريقة جديدة لترسيخ السلطة المعرفيّة السائدة. ذاك أنّ الخوارزميّات تُصنع أوّلاً وفق المنظور الذي يريده صنّاعها، ثمّ تُدرّب ثانياً على معطيات المركز الثقافيّ الغربيّ بقيمه وحدوده. لقد صار لدى ميشيل فوكو، لو قُدّر له الحياة اليوم، ما يكفي من الأمثلة على كون السلطة والمعرفة قد تصبحان شيئاً واحداً: حين تتشكّل المعرفة أصلاً عبر بوّابات المراقبة الرقميّة. ولو عاش أنطونيو غرامشي لحدّث تعريفه للهيمنة الثقافيّة، إذ لم تعد السيطرة تُسمّى وعياً مزيّفاً بل بياناتٍ للتدريب. أمّا جان بودريار فلعلّه كان سيعمّق وصفه لـ"فرط الواقعيّة" مع فرط النماذج اللغويّة قدرتها على صنع الواقع ذاته.
ولا يستولي الذكاء الاصطناعيّ على زمام الروايات فقط، بل على زمام الذاكرة أيضاً. فبينما كان ستالين يحتاج إلى أسابيع لحذف شخصيّة من الصورة، يستطيع منشئو المحتوى اليوم طمس الشخصيّات، وإعادة تصنيع الوقائع، وقلب الصور، وتزييف المشاهد في ثوانٍ معدودة. وما يزيد الأمر تعقيداً أنّ الكشف عن الزيف يغدو أصعب، ما يطلق سباقاً عديم النهاية بين الخداع وكشفه، وكلاهما رقميّ.
إنّنا لا نتحدّث هنا عن خطر نظريّ، بل نحن أمام سياسة عمليّة في صنع التاريخ الراهن وإعادة صنع التاريخ القديم. فلو طُلب من نموذج الذكاء الاصطناعيّ اليوم رواية ما حدث في حصار فيينا في القرن السابع عشر، لخرجت روايته متأثّرة أشدّ التأثّر باختيارات برنسِتون ومنظورات ستانفورد. ولو طُلب منه إعادة كتابة تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، لمال إلى الروايات الأكثر تمويلاً وتداولاً وترويجاً في المركز الأقوى. والمجامع اللغويّة الغربيّة هي التي تحدّد، بين ليلة وضحاها، هل "يعتمد" الذكاء الاصطناعيّ مصطلح "الإبادة الجماعيّة" أم "حماية أمن الدولة"، وهل يسمّي ما يحدث "احتلالاً" أم "إعادة بناء إقليميّ".
وأيّ إنسان عاقل لا يسعه إلاّ أن يتساءل: من يملك الحقّ في كتابة ماذا؟ ولصالح من يقلب الذكاء الاصطناعيّ التاريخ؟ ومن يستولي على بيانات التدريب الضخمة التي تجعل النموذج يصدق رواية ويكذب أخرى؟ وكيف حدث أنّ الشركات الغربيّة الضخمة هي التي تمتلك وتصدّر الحقيقة اليوم، وهي التي تكتب عن المنتصرين والمهزومين في التاريخ أحياء كانوا أم أمواتاً؟
إنّ أكثر الرهانات إلحاحاً اليوم هو بناء طبقة من الوعي المضادّ للرواية الخوارزميّة المهيمنة، وطبقة ثانية من النماذج اللغويّة المنافسة، وطبقة ثالثة من الذاكرة المحصّنة الرافضة للنسيان. ذاك أنّ الأمم التي تمتلك قصّتها، وتسردها بالطريقة التي تراها ضروريّة، تؤسّس ذاكرتها الصلبة ضدّ التلاعب. وعلى العكس من ذلك، فإنّ من تُكتب تواريخهم بالخوارزميّات الغالبة، سيظلّون مادّة تدريب لتلك الخوارزميّات، قبل أن يصبحوا مادّة استعمار رقميّ لها.
حين كان الراوي إنساناً، كان من الممكن نقده واختباره، الوثوق به أو تخوينه، تصديقه أو تكذيبه. لكنْ حين يغدو الراوي آلة، علينا إعادة تعريف الحقيقة نفسها... فلن يكون المستبدّ القادم بشراً، بل سيكون نظاماً حسابيّاً يتحدّث بلغات البشر، ويحكم التاريخ وذاكرته من فراغات السيرفرات الباردة، مطوّعاً قصّة الماضي لحساب قوى المستقبل.
علينا أن نكسر الصمت الرقميّ، لا لنعود رواة كما كنّا، بل لنخلق لغة تقاوم، وتكتب، وتبني… قبل أن نُمحى من الذاكرة الجديدة.

5 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving SaudiEinstein Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٤