ألا يبدو مثيراً للسخرية أن يتحوّل الكاسيت، ذلك الشريط البلاستيكي الصغير، إلى ساحة معركة فكرية كبرى؟ هكذا بدت المواجهة بين غازي القصيبي ورموز الصحوة في تسعينيات القرن الماضي، وكأنها حرب الكاسيتات المقدسة.
لقد وجد نفسه هدفاً لسيل من الأشرطة الصوتية التي أطلقها دعاة الصحوة. وكأن هؤلاء المشايخ قد اكتشفوا فجأة أن الكاسيت هو الحصان الأسود في معركة الأفكار. فما كان من شاعرنا المرهف إلا أن قرر مواجهة النار بالنار، أو بالأحرى، الكاسيت بالكاسيت.
وهكذا، انبرى القصيبي - ذلك الطاووس المغرد في حظيرة الدجاج - لتسجيل رسائله الصوتية الخاصة. لكن شتان ما بين كاسيت وكاسيت! فبينما كانت أشرطة الصحويين تنضح بالوعظ الثقيل كصخرٍ يتدحرج بلا هوادة، يثقل النفس دون أن يترك فيها أثرًا.، جاءت رسائل القصيبي رشيقة كغزال يعرف طريقة في حقل ألغام.
ترى، هل تخيّل دعاة الصحوة - أولئك الدجاج ذات المناقير الخشبية - أن كاسيتاتهم ستولد كتاباً سيظل شاهداً على عصر بأكمله؟ ذاك أن "حتى لا تكون فتنة" لم يكن مجرد رد على هجمات الصحويين، بل كان بمثابة مرآة عاكسة لتناقضاتهم، تكشف عوراتهم الفكرية كما يكشف ضوء النهار خفافيش الظلام.
والحال أن موقف القصيبي من سلمان العودة - ذلك الثعلب الذي ارتدى عباءة الحمَل - يلخص جوهر هذه المواجهة. فحين وصفه بـ"خميني السنة"، كان كمن يضع قطعة بازل في غير مكانها عمداً، ليكشف تهافت الصورة بأكملها. فكيف لمن يدّعي السلفية أن يتبنى أفكاراً سياسية شيعية؟ أليست هذه كمن يحاول إلباس الجمل بدلة "بريوني"؟
لقد كشف غازي - ذلك العندليب الذي يغرد في غابة من مكبرات الصوت - عن التناقض العميق في فكر الصحويين. فهم كمن يحاول الجمع بين الماء والنار، أو كمن يسعى لزراعة النخيل في القطب الشمالي. يدّعون التمسك بالأصول، بينما يتبنون في الواقع أفكاراً سياسية حديثة ومتطرفة، كأنهم يحاولون ركوب دراجة نارية على سطح بحيرة شبه متجمدة.
بيد أن المواجهة لم تقتصر على الجانب الفكري. فقد تعرض القصيبي - ذلك الفراشة الملونة في حقل من الشوك - لحملات تشويه منظمة، كأنها محاولة لتحويل لوحة فنية إلى ورقة جدران رخيصة. استخدم خصومه كل الوسائل المتاحة، من استشهاد بأبيات شعرية خارج سياقها - كمن يحاول بناء قصر من أعواد الثقاب - إلى اتهامات بالعلمانية والتغريب، وكأن الانفتاح المدروس على العالم تهمة تستحق الرجم بالحجارة.
أليس من السخرية أن يُتهم شاعر مرهف - كزهرة اللوتس في مستنقع الضفادع - بمعاداة القيم الإسلامية؟ وهل يمكن لمن قرأ أشعار القصيبي أن يصدق أنه يدعو للانحلال الأخلاقي، كما لو أن الجمال نفسه أصبح خطيئة تستوجب التوبة؟ الواقع أن هذه الاتهامات تكشف عن ضيق أفق أصحابها، كمن يحاول رؤية العالم من ثقب إبرة.
لقد كان القصيبي يدرك أن معركته ليست شخصية، بل هي معركة من أجل مستقبل المجتمع السعودي. كان يحلم بمجتمع منفتح ومتسامح، يجمع بين الأصالة والحداثة، كمن يحاول صنع عطر فريد من مزيج الورد والعنبر. وهذا بالضبط ما كان يخشاه دعاة الصحوة - تلك الببغاوات ذات اللحى الكثيفة - الذين أرادوا فرض رؤيتهم الضيقة على المجتمع، كمن يحاول إلباس الفيل قميصاً ضيقاً.
وعلى الرغم من قسوة المواجهة، إلا أن الأيام أثبتت صحة رؤية القصيبي، ذاك العراف الذي رأى المستقبل في فنجان القهوة المر. فها هي السعودية اليوم تشهد انفتاحاً ثقافياً واجتماعياً يمثل أرقى صور الإسلام المعتدل الصالح لكل زمان ومكان، كأنها فراشة تخرج من شرنقتها بعد طول انتظار. بينما تراجعت أفكار الصحوة إلى الهامش، كأوراق الخريف التي تذروها الريح.
في النهاية، تبقى تجربة القصيبي - ذلك الفارس الوحيد في وقته وسط حلبة الثيران - درساً في أهمية الثبات على المبادئ، والدفاع عن قيم الوسطية والاعتدال في مواجهة دعاة الانغلاق. لقد أثبت أن الكلمة أقوى من سيف التكفير، وأن الشعر قادر على مواجهة الفتاوى، كما تواجه الجبال العاصفة.
ترى، هل آن الأوان لإعادة قراءة تجربة القصيبي - ذلك المصباح المضيء في كهف الظلام - في ضوء التحولات الراهنة في العالم العربي؟ وهل يمكن استلهام دروس من مواجهته الشجاعة للصحوة في معاركنا الراهنة ضد التطرف والانغلاق، أم أننا سنظل كمن يحاول تسلق جبل من الصابون؟
رحمك الله يا أبا يارا، وغفر لك يا معلمي وصديقي. لقد كنت كالشمعة التي تحترق لتنير الدرب للآخرين، وهانحن اليوم نحاول جميعًا أن نشعل شمعة في #ذكرى_رحيل_غازي_القصيبي ولكنه لا يرى ولا يسمع شوقنا وتقديرنا ومحبتنا، وهذا قدر العظماء. —
رابط كتاب حتى لا تكون فتنة:
https://t.co/joyltaPHGG
6 دقيقة قراءة
الكاتب
اينشتاين السعودي
@SaudiEinestine
مشاركة المقالة عبر
Leaving SaudiEinsteinYour about to visit the following urlInvalid URL