31 مارس 2025

مهزلة الفضاء والأرض: حين يُنقذ "العبقريّ المكروه" مَن نسيتهم الدولة

ماذا يعني أن يعلق رائدا فضاء أمريكيّان في المدار تسعة أشهر، فلا تتحرك عضلة واحدة في جسد الدولة العملاقة لإنقاذهما؟ وماذا يعني أن يُنقذهما "عبقريّ مكروه" – لا لشيء إلاّ لكونه معادياً لليسارية السياسيّة السائدة – ثمّ يُجازى بصمت إعلاميّ مدْهش؟
ذاك أنّ حكاية بوتش ويلمور وسوني ويليامز، الرائدين اللذين تحوّلا إلى "معلَّقين في السماء" بعد عطل في مركبة "ستارلاينر" التابعة لشركة بوينغ، ليست مجرد قصة اعتياديّة، بل هي، في أعماقها، ملحمة تراجيكوميديّة عنوانها فشل دولة وانتصار فرد. أمّا الدولة فهي وكالة ناسا، بمجدها القمريّ القديم ومواكبها المتهالكة الجديدة. والفرد هو إيلون ماسك، المغضوب عليه، والمحبوب الآن من دونالد ترامب، في مفارقة من مفارقات السياسة الأمريكيّة التي لا تنتهي.
إسبرطة الفضاء الأمريكيّة، التي غزت القمر قبل أن يتعلّم 3/4 الأمريكيّين المشي، باتت تقف كالمشلول أمام مهمّة بسيطة: إعادة اثنين من البشر إلى كوكبهم. لم يكن ينقصها لا المال ولا الخبرة، بل الإرادة، وكأنّ مؤسّسات الدولة الأمريكيّة – بعد أن تضخّمت ككائن أسطوريّ – باتت تحتاج إلى حُقَن الإرادة حتى تتحرّك، فبوينغ التي تصنع الطائرات منذ مولد الطيران، عجزت، وناسا لم تستطع، وإدارة بايدن عندها – وقتئذٍ – انشغلت بــ"قضايا أخرى".
وحين تقدّم ماسك بطرح بسيط وعمليّ: إرسال مركبة "دراغون" لإنقاذ الرائدين، لم يكن أحد – إلاّ @elonmusk نفسه – يتصوّر أنّ الأمر سيستغرق شهوراً طويلة في أروقة البيروقراطيّة الأمريكيّة، وكأنّه اقتراح بناء مفاعل نوويّ في وسط منتزّه يوسمايت. ولّى زمن "أبولو 13" حين كان بإمكان ناسا تحويل الكارثة إلى ملحمة بطولة وطنيّة، وها نحن في زمن "فشل 2025"، حيث تتحوّل البطولة إلى صفحة داخليّة في وكالات الأنباء، إذا ما ظهرت أصلاً!
والآن، لنتوقّف عند المشهد الكوميديّ الأكثر إثارة للضحك والبكاء معاً: مشهد ما بعد النجاح. لقد نجحت مركبة "كرو دراغون" في إنقاذ الرائدين، وعادا إلى الأرض في مارس  2025، لكنْ بدلاً من احتفالات وتكريم، ومؤتمرات صحفيّة، وتغطيات مباشرة، واجهنا نوعاً من "الصمت الثقيل"، كصمت الموتى في قبرهم. فهل لقصص النجاح تصنيف حزبيّ أيضاً؟ هل يكون النجاح "ديمقراطيّاً يساريًا" فيُحتفى به، أم "جمهوريّاً" فيُقبَر في صفحات الإهمال؟
مفارقة لا تقلّ طرافة: لو أنّ هذا النجاح قد وقع في عهد إدارة أوباما مثلاً، لسمعناه يدوّي بين الأرض والقمر، ولقامت قناة "سي إن إن" بتحليله ساعة بساعة، وخرج لنا باراك أوباما – المتألّق دائماً – ليُلقي خطاباً فصيحاً عن كيف أنّ "أمريكا لا تترك أحداً وراءها". أمّا وأنّ البطل المنقذ هو ماسك، حليف ترامب، وأنّ العملية نُفّذت في زمن انقسام سياسيّ هائل، فلا بدّ أن يحلّ محلّ الضجيج صمت مدبّر كصمت المقابر.
لقد احتاج الأمر إلى "جو روغن" – البودكاستر "المشاغب" الذي يبصق أحياناً ما هو أكثر من الحقيقة – ليفضح هذا السرّ البشع. قال روغن: "لم تسمع أيّ خبر عن إنقاذ إيلون لأولئك الرواد. كان من المفترض أن يُبثّ ذلك على الهواء مباشرة في كلّ وسائل الإعلام طوال اليوم. شركته هي من أنقذتهم لأنّنا لم نعد قادرين على فعل ذلك. لم نتمكّن من إنقاذهم. اضطررنا للاعتماد على شركته، ومع ذلك لم تسمع شيئاً عن الأمر. هذا جنون!".
أمّا الطريف في الأمر، أنّه وبينما كان رائدا الفضاء يدوران حول الأرض كالأقمار الصناعيّة المنسيّة، كانت السياسة الأمريكيّة تدور حول محورها الجديد: انتخابات استثنائيّة أعادت ترامب إلى البيت الأبيض.
وقد كان ماسك، الذي أنقذ الرجلين، من أشدّ مؤيّدي ترامب وحلفائه، إلى درجة أنّنا نراه اليوم  مستشار أول للرئيس وموظف حكومي خاص يقود دائرة كفاءة الحكومة (DOGE) بمهمة تقليص الإنفاق والبيروقراطية وتقديم توصيات لتحسين الكفاءة، وتستقبلنا كلّ صباح صورة جديدة ترسم علاقة الودّ النادر بين ماسك وترامب. تخيّلوا المفارقة: المنبوذ بالأمس صار اليوم في صدر المجلس!
ما لا يتسامح معه أمراء السرديّة الإعلاميّة اليسارية المهيمنة، الجالسون فوق أرائكهم الوثيرة في غرف التحرير المكيّفة، هو أنّ ماسك يمثّل صفعة خارقة لكلّ ادّعاءاتهم: فهو يبرهن يوماً بعد يوم أنّ النجاح ليس حكراً على "فئة اليساريين" من داعمي "نظريّة حقوق الشواذ" و"فرض الأقليات ". بل يمكن لرجل "غير لائق سياسيّاً بمعاييرهم" أن ينجح حيث يفشل الجميع، وهنا بالضبط تكمن خطيئته التي لا تُغتفر.
إيلون ماسك، الذي يظهر اليوم في الصور مع ترامب كصديقين حميمين، هو نفسه الرجل الذي أطلق – على نحو شبه منفرد – ثورة السيّارات الكهربائيّة، وأعاد الهيبة للسباق الفضائيّ، وجعل الانترنت يصل إلى أبعد جزر الأرض. لكنّه ارتكب "جريمة" لا تُغتفر: فضح المؤسّسات القائمة وأثبت أنّ الفرد لا يزال أمضى منها، وأنّ العبقريّة لا تخضع لتصنيفات "الصواب السياسيّ".
أيّ جنون هذا الذي نحياه اليوم؟ أيّ مهزلة يمكن أن تكون أكثر سخريّة من أن تقف أكبر قوّة فضائيّة في العالم، ببنيتها المؤسسيّة كلّها، عاجزة عن إنقاذ رائديها، ثمّ حين يتقدّم رجل منبوذ لتنفيذ المهمّة، يجد أمامه جبالاً من البيروقراطيّة؟ وما إن ينجح، حتى يُعامل كأنّه لم يفعل شيئاً! في الوقت نفسه، المؤسّسات نفسها تصبغ على نفسها مدائح الإبداع والديناميكيّة والابتكار، بينما هي تغرق في مستنقع الفشل والبيروقراطيّة!
لقد اضطرّ ماسك – لكي يحظى "بشرف" إنقاذ البشر – إلى أن يعبر ألغاماً من الموافقات والتصاريح والتراخيص والإذن، حتى جاء ترامب وسهلها بمكالمة هاتف، ما جعل الأمر أشبه بمأساة ترتدي قناع المهزلة. وهو ما يفسّر، بالمناسبة، سبب تأييده للرئيس الجديد ترامب، الذي وعده بتحطيم كلّ هذه الحواجز البيروقراطيّة التي تفصل بين المبدع وبين أهدافه.
هذا الصمت المدبّر، بعد ما حصل، هو في حقيقته نموذج مصغّر عن أزمة أكبر: أزمة النظام كلّه الغارق باليسارية المتطرفة، ومؤسّساته، وإعلامه. ولعلّ ميشيل فوكو كان محقاً حين تنبّأ بمرحلة تكون فيها السلطة تحوّلت من القمع المباشر إلى "سلطة التأطير"؛ حيث لا تمنع الإعلام من الحديث، بل تصوغ له كيف يتحدّث، وعن ماذا، وبأيّة درجة من الصوت، ومتى ينبغي له أن يصمت. فهل باتت أمريكا مكاناً لا يُحتفل فيه بالنجاح إلا إذا جاء من "الناجحين المعتمدين"؟ هل باتت البطولة خاضعة لتدقيق "أجهزة التصديق الأيديولوجيّ"؟ وإذا كانت قصص النجاح ذاتها تُصنّف إلى "صالحة للنشر" و"غير صالحة"، وفق هويّة أبطالها، فإلى أيّ حضيض وصلت حريّة التعبير التي يتشدّق بها الجميع هناك؟
رائدا الفضاء عادا إلى الأرض، والحمد لله. وقصّتهما لن تُروى كما ينبغي لها، واللوم على الجميع. ويبدو أنّنا، في ارتباكنا السياسيّ وانقساماتنا الحادّة، نسينا ما هو أهمّ شيء في الحياة: كرامة الإنسان، وحقّه في أن يعيش آمناً، وأن تحفظ لروحه مكانتها التي تليق بها.
لقد عشنا مهزلة الفضاء، لكنّ المهزلة الأكبر كانت على الأرض، حيث تُدفن الحقيقة إذا لم تكن تليق بالسرديّة. وقد أنقذ ماسك رائدَي فضاء من عتمة المدار الجحيميّة، لكنْ مَن ينقذ الإعلام الأمريكيّ من العتمة – الأشدّ ظلاماً – في عقول مَن يحتكرون صناعته؟

8 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving SaudiEinstein Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٤