08 مارس 2026

وارثة الرماد حين تُقرر الجغرافيا السعودية ما عجزت عنه الصواريخ

‏ثمّة في المشهد الراهن ما يشبه الفراغ الذي يعقب الزلزال الكبير؛ ليس غياب الدمار، بل غياب اليقين من يشغل الحفرة التي خلّفها. منذ الثامن والعشرين من فبراير، حين انطلقت ألف وأربعمئة طائرة إسرائيلية وأمريكية باتجاه طهران وأصفهان وقم وكرمنشاه، فاغتالت المرشد خامنئي وقضت على عشرات القادة في ساعات؛ باتت المنطقة تقف على حافة سؤال لا يقل إلحاحاً من السؤال النووي: من سيرث هذا الفراغ؟
‏بيد أنّ ما يُثير السخرية حقّاً هو ذلك الحماس المتسرع في الغرب ولدى المعلّقين السطحيين لرسم “الشرق الأوسط الجديد” بمسطرة واحدة: محور ثنائي قوامه تل أبيب وأبوظبي، “أسبرطة التكنولوجيا وفينيسيا اللوجستيك”؛ إسرائيل بسيوفها السيبرانية ورماحها الصاروخية ودروعها الاستخبارية، والإمارات بموانئها ومخازنها المالية. النموذج مُغرٍ على الورق، لكنّ الورق لا يحترق كما تحترق المطارات.
‏ذاك أنّ مطار دبي - الأول عالمياً لحركة المسافرين الدولية - أُصيب بمسيرة إيرانية في الأيام الأولى من الحرب، وتصاعد الدخان من برج العرب والنخلة فسقط بلحظات كثير ممن راهنوا على فينيسيا الخليجية باعتبارها “الملاذ الآمن”. وإسرائيل فهمت جيدًا معنى أن لاتكون أنت ودميتك الجديدة بلا عمق جغرافي، ولا فينيسيا حين تُغلق الشرايين.
‏والكتلة الحرجة - بكل ما تعنيه هذه العبارة من ثقل جغرافي وطاقوي وديموغرافي - تجلس منذ سنوات تُراقب بهدوء دولة كبرى لا قبيلة بدائية مُرتجفة. منذ ارتفع سعر برميل النفط من سبعين إلى ثمانين دولاراً خلال أيام قليلة بعد اندلاع الحرب، ومضيق هرمز يحوم فوقه شبح الإغلاق، والبضائع الآسيوية تبحث بيأس عمّا تعبره بأمان؛ وصندوق الاستثمارات العامة السعودي يُحصي ما يجري بعين المحاسب لا بعين الإيديولوجي.
‏ها هنا يتضح المدى الحقيقي لما كان يبدو مجرّد مشاريع بنيوية عابرة. الجسر البري السعودي الذي يربط موانئ الخليج بموانئ البحر الأحمر لم يُبنَ للشاحنات وحدها، بل لمن يريد أن يُقنع العالم أنّ البضاعة لا تحتاج إلى هرمز المهدَّد ولا إلى جبل علي المُستهدَف؛ بل تمرّ عبر أراضٍ لا تعطلها الصواريخ الإيرانية ولا تطالها عقوبات الشرايين. "الإعدام الجغرافي" للميزة التنافسية لتحالف الأحلام الإماراتية والإسرائيلية - وهو مصطلح يبدو قاسياً لكنّه وصف مادي دقيق - لا يحتاج إعلان حرب، بل يحتاج أسفلتاً وسككاً حديدية وشروطاً جمركية.
‏الممر الاقتصادي الهندي - الشرق الأوسطي - الأوروبي، الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب لتكريس ميناء حيفا بوابةً حصرية لأوروبا، يمرّ - بحسابات الكيلومترات لا الأيديولوجيا - عبر ألف وخمسمائة كيلومتر من الأراضي السعودية. القطار لا يطير؛ وهذه الحقيقة المادية تعني أنّ الرياض لن تكون “الأسفلت المجاني” لمحور يتشكّل على حسابها. ستُصرّ، كما تُصرّ كلّ قوّة لديها أوراق، على توطين المصانع ومراكز المعالجة داخل “أوكساجون” قبل أن يمرّ الربح.
‏أغلب الظن أنّ الشركات التكنولوجية الإسرائيلية ستكتشف قريباً ما اكتشفه التجار دائماً في التاريخ: السوق الحقيقي هو الذي فيه المال والطاقة والكتلة، لا الذي فيه البراءات والخوارزميات. وطموح مراكز الذكاء الاصطناعي يصطدم بسؤال مادي صارم: الخوادم الضخمة تلتهم طاقة كهربائية هائلة، والسعودية تملك أرخص إنتاج شمسي في العالم وأوفر احتياطيات الهيدروجين الأخضر. من يريد بناء “سيرفرات” الإقليم يأتي إلى أرض الطاقة، أو يبني مراكز بياناته في العتمة.
‏ويلوح، في خضمّ هذا كلّه، أن ثمة من لا يزال يعتقد أنّ “الشرق الأوسط الجديد” يمكن أن يُرسم من أطرافه؛ من دولة يسع عاصمتها صندوق خريطة، ومن دولة آخر ما اعتزت به هو أنها أنجبت “أفضل استخبارات العالم” وعجزت عن التنبؤ برد فعل دولة "مرجحين الموازين". 
‏في الفيزياء المادية، لا في استعارات السياسة، الكتلة الكبيرة تجذب ما هو أصغر منها ولا تُقاوَم. والرياض تعلم ذلك كما تعلم أسعار نفطها ومسافات طرقها الحديدية.
‏راهناً، بينما تتصاعد أعمدة الدخان من طهران وتُرسل أبوظبي طواقم الإطفاء إلى ما أصابته المسيّرات، كلّ الطرق الحريرية والحديدية والرقمية ستنتهي في مكان واحد؛ أو تُدفن في الرمال.

5 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving اينشتاين السعودي Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة 2026 | اينشتاين السعودي