11 أغسطس 2024

ياواش ياواش: حين يستعير وكيل الولي الفقيه لسان خادم السلطان العثماني

ياواش ياواش: حين يستعير وكيل الولي الفقيه لسان خادم السلطان العثماني
 
 في مسرحية هزلية تفوق خيال شكسبير، يقف حسن نصر الله، ذلك البهلوان المبايع للولي الفقيه الصفوي، ليفاجئ العالم بعبارة تركية: "ياواش ياواش". وكأن التاريخ قرر أن يرتدي قناع المهرج، فيجعل وريث الصفويين يستجدي لغة خصومه العثمانيين.
 
 "ياواش ياواش"، أو "ببطء ببطء" بالعربية، عبارة تركية تُستخدم للدلالة على التمهل والتروي والهدوء، أو هي المرادف لقولنا بعاميتنا: "بشويش" أو "شوي شوي". لكن لماذا يلجأ زعيم حزب الله، حامل راية "المقاومة" المخرومة، إلى لغة الإمبراطورية العثمانية، رمز الاستعباد التاريخي للعالم العربي؟ هل هي صرخة استغاثة من لغة الضاد التي خذلته في وصف "مقاومته" المترنحة؟ أم هو تمرد لغوي على الولي الفقيه، أم محاولة بائسة للتقرب من تركيا في زمن تهاوت فيه أصنام الشعارات الصفوية؟
 
 هذا التناقض الصارخ - شيعي صفوي يتلعثم بلغة أعدائه التاريخيين السنة - يكشف عمق الهاوية الفكرية التي يتخبط فيها "محور المقاومة". فبدلاً من الاعتماد على الإرث الثقافي العربي أو حتى الفارسي، يلجأ نصر الله إلى التركية، وكأنه يرفع راية الاستسلام الأيديولوجي.
 
 إن "ياواش ياواش" نصر الله تذكرنا بالشيخ حسني من فيلم "الكيت كات"، ذلك الأعمى الذي يقود دراجة نارية في شوارع القاهرة. لكن الفرق شاسع؛ فالشيخ حسني كان يدرك عماه ويتحدى واقعه بشجاعة، بينما نصر الله وأمثاله يدّعون البصيرة وهم غارقون في عماهم الأيديولوجي، يقودون شعوبهم إلى الهاوية. 
 
 هذا المشهد السريالي يجرنا إلى ذاكرة السينما المصرية، حيث يقبع فيلم "طيور الظلام" كمرآة عاكسة لواقعنا المر. نتذكر عادل إمام ورياض الخولي وهما يغنيان "ياواش ياواش يا مرجيحة". فتحي نوفل، المحامي الفاسد، وعلي الزناتي، المتطرف الديني، يجسدان وجهين لعملة واحدة.
 
 في "طيور الظلام" نرى صراعاً بين الفساد والتطرف والنزاهة، أما في واقعنا فنشهد تحالفاً غريباً بين الفساد والتطرف ضد مصالح الشعوب. نصر الله وأمثاله يجمعون بين فساد فتحي نوفل وتطرف علي الزناتي، تاركين "محسن" النزيه - الشعوب العربية - ضحية لمؤامراتهم.
 
 منذ 7 أكتوبر، وطوفان "الأقصى" المشؤوم، ونحن نشهد فصولاً متتالية من هذه المسرحية العبثية. أكثر من مائة ألف بين شهيد وجريح فلسطيني، قرابة 2.5 مليون مشرد، ودمار يقارب الـ 30 مليار دولار. والأرقام تتصاعد بوتيرة مخيفة، وكأننا في مشهد سوريالي من أفلام عادل إمام، نسمع صدى صوته يردد "الحسابة بتحسب" في ذلك المشهد الأيقوني الذي تحول من "أفيه" كوميدي إلى نبوءة مرعبة. لكن الحسابة اليوم لا تحصي جنيهات ولا حتى دولارات فحسب؛ بل أرواحاً زكية.
 
 والنتيجة؟ "ياواش ياواش" من نصر الله، وصمت أبكم من إيران، وكأننا في فيلم صامت لشارلي شابلن!
 
 نصر اللات، ذلك البوق الإيراني المثقوب، يتنقل بين سراديب الضاحية، بعد مقتل معاونه الأول فؤاد شكر. أين صواريخكم الكرتونية التي هددتم بها العالم؟ كل هذا تبخر وتواريتم كالجرذان في مجاري الضاحية الجنوبية، لأن سيدكم الفارسي أثبت أنه لا يستطيع حماية ظله من شمس الحقيقة الحارقة.
 
 في خضم هذه "التراجيكوميديا"، نتساءل: إلى متى سنظل نحن، الشعوب العربية، نرقص على أنغام هذه الأكذوبة الكبرى المسماة "مقاومة"؟ متى سندرك أن طريق تحرير فلسطين لا يمر عبر أنفاق حماس المظلمة ولا صواريخ إيران الورقية، ولا حتى عبر قاموس لغوي مستعار من أعداء الأمس؟
 
 ربما حان الوقت لنغير الأغنية. بدلاً من "ياواش ياواش"! علينا أن نصرخ "يلا بسرعة" نحو التنمية الحقيقية، والمقاومة الفعلية، والعلم النافع. فقط عندها، قد نجد أنفسنا حقاً على طريق التحرير والسلام العادل، لا على هامش التاريخ نتسول البطولات الوهمية من تجار الأوهام في طهران.
 
 في النهاية، نحن لسنا في فيلم يمكن أن ننهيه بمشهد بطولي أو نهاية سعيدة. نحن أمام واقع مرير يتطلب منا أكثر من مجرد مشاهدة سلبية. علينا أن نكون "محسن" الحقيقي، الذي يقف في وجه الفساد والتطرف معاً. وإلا فإن "ياواش ياواش" نصر الله ستتحول إلى مرثية لأمة كاملة، تموت ببطء على أنغام أكاذيب المقاومة الزائفة.
 
 وأخيراً، سؤال يحرق الأعماق: إذا كان نصر الله يتحدث التركية، وإيران تتاجر بالقضية الفلسطينية، وقادة حماس يغرقون في المليارات، بينما غزة تغرق في الدماء، فمن هو العدو الحقيقي لأمتنا؟ هل هو إسرائيل التي نعرفها، أم تلك الأصنام التي صنعها بعضنا بأيدينا ويعبدونها باسم "المقاومة"؟ وإذا كنا نحتاج إلى "ياواش ياواش" لنفهم خطاب قادة "الممانعة" و"الصمود"، فكم من الوقت نحتاج لنستيقظ من هذا الكابوس الذي يسمونه "نصراً"؟ أم أننا سنظل ننتظر "الفرج" حتى يأتينا الموت "ياواش ياواش"، ونحن نهتف بلغة لا نفهمها، لقضية لم نعد نعرفها؟ و"هيلا هيلا هوبا"!

6 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving SaudiEinstein Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٤