03 سبتمبر 2024

الخامس المنسي: لماذا استُبعد معاوية من دائرة الخلفاء الراشدين؟

  الخامس المنسي: لماذا استُبعد معاوية من دائرة الخلفاء الراشدين؟
 
 هل آن الأوان لإعادة النظر جذرياً في مفهوم "الخلافة الراشدة"؟ وهل من العدل والموضوعية استبعاد معاوية بن أبي سفيان من هذا التصنيف التاريخي المهم؟ تلك أسئلة تستفز الوعي التقليدي وتدفعنا إلى مساءلة الروايات المتوارثة.
 
 لنبدأ بنقطة محورية غالباً ما يتم تجاهلها: كيفية اختيار الخلفاء الراشدين وطبيعة البيعة لهم. فعند اختيار عثمان بن عفان، نجد أن عبد الرحمن بن عوف قد خيّر علياً وعثمان بالحُكم على سيرة الشيخين (أبي بكر وعمر). هذا الأمر له دلالة مهمة، إذ يشير إلى وجود نموذج حكم معين كان يُنظر إليه كمعيار للخلافة الصالحة.
 
 بيد أنّ المفارقة هنا أن علياً، الذي نعده من الخلفاء الراشدين، رفض الالتزام بـ"سيرة الشيخين" كشرط للبيعة. يروي الطبري في تاريخه أن علياً قال: "لا أعمل إلا بكتاب الله وسنة رسوله واجتهادي". هذا الموقف يضعنا أمام معضلة: إذا كان أحد الخلفاء الراشدين الأربعة يرفض الالتزام بنهج من سبقوه، فكيف نبرر استبعاد معاوية على أساس اختلافه عن هذا النهج؟
 
 ذاك أنّ طبيعة البيعة لعلي وظروفها تستدعي إعادة النظر. فقد رفض بيعته كبار الصحابة مثل أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية وأهل الشام وغيرهم من كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص الذي اعتزل الفتنة. وكانت بيعته في غالبيتها من الثوار الذين اتُهموا بقتل عثمان، بينما بايعه أهل المدينة - كما تشير بعض الروايات - إما غصباً أو خوفاً. كما أن عدداً آخرًا من كبار الصحابة في المدينة لم يبايعوه. هذه الحقائق تضعنا أمام تساؤل جوهري حول مدى إجماع الأمة على خلافة علي، وهو أمر يستدعي إعادة النظر في معايير "الخلافة الراشدة".
 
 في المقابل، نجد أن معاوية تولى الخلافة بإجماع المسلمين بعد تنازل الحسن بن علي له. هذا الحدث له أهمية كبيرة في تقييم شرعية حكم معاوية. فتنازل الحسن، وهو حفيد النبي وابن علي، يمكن أن يُنظر إليه كنوع من الإقرار الملزم بشرعية حكم معاوية وقبول الأمة له، رغم كل تخاريف الكتب الصفوية.
 
 والحال أنّ استبعاد معاوية من دائرة الخلفاء الراشدين يعكس، في جوهره، تحيزاً تاريخياً لا يصمد أمام التدقيق الموضوعي. والأمر لا يقف عند حد الالتزام بالسيرة، بل يتعداه إلى النتائج العملية للحكم. فترة خلافة علي، رغم قصرها، شهدت اضطرابات وانقسامات حادة في الأمة الإسلامية. في المقابل، نجد أن عهد معاوية، الذي امتد لعشرين عاماً، تميز بالاستقرار والازدهار. وقد كان لاستقرار عهد معاوية أثر كبير في توسيع الفتوحات الإسلامية وتثبيت أركان الدولة.
 
 ومن يقول أن معاوية لم يتم اختياره بالشورى فهم هنا يشككون من حيث لا يعلمون ببيعة عمر بن الخطاب والتي كانت بوصية واستخلاف أبي بكر الصديق له.
 
 ذاك أنّ إنجازات معاوية الإدارية والسياسية تضعه، بلا مواربة، في مصاف أعظم حكام الإسلام الأوائل. فقد اهتم بتطوير النظام الإداري للدولة، وأسس الدواوين، ونظم البريد. يقول المسعودي في "مروج الذهب" واصفاً إصلاحات معاوية: "كان أول من اتخذ الديوان وختم الكتب وجعل الحجاب". كما لعب معاوية دوراً مهماً في توسيع رقعة الدولة الإسلامية، خاصة في فترة خلافته، حيث امتدت الفتوحات من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً.
 
 بيد أنّ سياسة معاوية تجاه غير المسلمين تستحق وقفة تأمل. فقد اتسمت بالتسامح والحكمة في التعامل مع أهل الذمة والأقليات الدينية في الدولة الإسلامية. كما قام بتطوير النظام القضائي، مما كان له أثر كبير على تطور الفقه الإسلامي.
 
 ولنتأمل للحظة في مكانة معاوية الدينية والتاريخية. ألم يكن صحابياً جليلاً وكاتباً للوحي؟ قال رسول الله ﷺ: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به" في حق معاوية. ونقل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ما أحد من الصحابة كان أحلم من معاوية". هذه الشهادات تضع معاوية في مصاف كبار الصحابة، فكيف نستبعده من دائرة الخلفاء الراشدين؟
 
 والحال أنّ الروايات المناهضة لمعاوية تعكس، في حقيقة الأمر، صراعات سياسية لاحقة أكثر مما تعكس واقعه التاريخي. يشير المؤرخ المعاصر محمد سهيل طقوش إلى أن الكثير من الروايات السلبية عن معاوية تم وضعها في العصر العباسي لتشويه صورة الأمويين. هذا ما يؤكده أيضاً Tayeb El-Hibri في دراسته "Reinterpreting Islamic Historiography"، موضحاً كيف استخدم العباسيون السرد التاريخي بشكل استراتيجي لتشويه صورة الحكم الأموي.
 
 لعلّ الوقت قد حان لإعادة النظر جذرياً في تصنيفاتنا التاريخية، متجاوزين الأطر التقليدية التي لم تعد تفي بمتطلبات الفهم العميق لتاريخنا. والمفارقة هنا أن بعض العلماء يدرجون عمر بن عبد العزيز، وهو أموي، ضمن الخلفاء الراشدين. ألا يتعارض هذا مع الحديث النبوي، الذي يتمسكون به لإنقاض ضم معاوية للخلفاء الراشدين -على فرض صحته- الذي يحدد مدة الخلافة بثلاثين عاماً؟ وإذا كان البعض يعتبر عمر بن عبد العزيز خليفة راشداً، فكيف لا يكون معاوية، وهو صحابي وخال المؤمنين، أولى بهذا الوصف؟
 
 ألم يقل العلامة الإمام عبد الله بن المبارك عندما سُئل عن أيهما أفضل، معاوية أم عمر بن عبد العزيز: "الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من مثل عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نعيد النظر في موقع معاوية نفسه؟
 
 بيد أن هناك من يعارض بشدة فكرة إدراج معاوية ضمن الخلفاء الراشدين. يستند هؤلاء إلى حجج عدة، منها تحويل الخلافة إلى ملك وراثي، واتهامات بسفك الدماء في صراعه مع علي. كما يشيرون إلى الحديث النبوي متمسكين بصحته: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً". لكن ألا يمكن أن نرى في هذه الانتقادات انعكاساً للصراعات السياسية والمذهبية التي شكلت روايتنا التاريخية؟
 
 والحال أنّ قضية تحويل الخلافة إلى ملك وراثي تستحق نظرة أكثر تعمقاً. فكما يشير المؤرخ Stephen Humphreys في كتابه "Mu'awiya ibn Abi Sufyan: From Arabia to Empire"، فإن تحول نظام الحكم في عهد معاوية كان استجابة للتحديات الإدارية والسياسية التي واجهت الدولة الإسلامية المتنامية. ويرى Humphreys أن هذا التحول كان خطوة ضرورية لضمان استقرار الدولة في وجه التهديدات الداخلية والخارجية. ولعل في هذا التحول استجابة لتعقيدات الواقع السياسي الذي واجهته الدولة الإسلامية المتنامية.
 
 إنّ إعادة النظر في مكانة معاوية وعهده قد تكون خطوة مهمة نحو مصالحة تاريخية أوسع، تمكننا من تجاوز الانقسامات القديمة والنظر إلى تراثنا بعين أكثر نضجاً وموضوعية. فهل نحن مستعدون لهذه المراجعة الشاملة؟ وما هي التداعيات المحتملة لمثل هذه المراجعة على فهمنا الحالي للتاريخ الإسلامي وعلى واقعنا المعاصر؟
 
 والحال أنّ الإصرار على استبعاد معاوية من دائرة الرشد هو، في حقيقة الأمر، إصرار على رؤية مجتزأة للتاريخ الإسلامي، تحتاج إلى مراجعة شاملة وعميقة. إنّ إعادة تقييم دور معاوية في التاريخ الإسلامي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لفهم أعمق لتطور نظم الحكم في الإسلام.
 
 بيد أنّ هذه المراجعة لا تعني بالضرورة تبرئة معاوية من كل الانتقادات الموجهة إليه، فنحن أهل السنة لا نؤمن بالعصمة لأحد. لكن الهدف هو الوصول إلى فهم أكثر توازناً وشمولية لتلك الحقبة المهمة من تاريخنا.
 
 لعلّ السؤال الأهم: هل نحن مستعدون لمواجهة تاريخنا بعيون ناقدة، متحررين من أسر الروايات المؤدلجة التي شكلت وعينا التاريخي لقرون؟ إنّ هذه المراجعة قد تفتح الباب لفهم أعمق وأكثر تعقيداً لتاريخنا الإسلامي المبكر، وقد تمكننا من استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع الإسل امي في تلك الفترة الحاسمة.
 
 ومن ذاك؛ إن توريث معاوية للحكم يعد استجابة طبيعية للتحديات الإدارية الكبيرة التي واجهتها الدولة الإسلامية الحديثة المتنامية، وضرورة لاستمرارها، فقد قُتل ثلاثة من الخلفاء وكان لذلك تبعات ودروس استفاد منها معاوية لاختيار ما فيه صلاح الدين والدنيا لأمة محمد.
 
 إن المنطق يقول: إما بالرجوع لمصطلح "سيرة الشيخين" والابتعاد عن مصطلح الخلافة الراشدة، أو ضم الحسن بن علي ومعاوية للخلفاء الراشدين. وفي كلتا الحالتين، نحن مدعوون لإعادة كتابة تاريخنا بعيون ناقدة، لا تخشى مراجعة المسلمات وإعادة تقييم الشخصيات التاريخية بعيداً عن التحيزات المذهبية والسياسية.
 
 إنّ التعامل النقدي مع المصادر التاريخية، خاصة تلك التي كُتبت في فترات لاحقة تحت تأثير الصراعات السياسية، بات ضرورة وليس خياراً. والحال أنّ هذه المراجعة النقدية قد تكشف أن الخط الفاصل بين "الخلافة الراشدة" و"الملك العضوض" ليس بالوضوح الذي اعتدنا عليه في السرديات التقليدية -على فرض صحة هذه الأحاديث- فربما كان التحول تدريجياً ومعقداً، وليس حدثاً فجائياً كما يُصوَّر غالباً.
 
 نعم نحن أهل السنة نرى أن علياً أفضل من معاوية رضي الله عنهما وهذا موقف لا يقبل الجدل. ولكن الخلافة الراشدة قصة أخرى حان لها أن تُكتب من جديد، بعيون تاريخية ناقدة وموضوعية، تسعى إلى فهم أعمق لتعقيدات تلك الفترة وتحدياتها، وتأثيرها على مسار التاريخ الإسلامي.
 
 يدعو المؤرخ المعاصر رضوان السيد إلى ضرورة تقييم الحكام بناءً على إنجازاتهم وليس فقط على أساس الروايات التاريخية المتحيزة. كما يشير المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أن عهد التدوين الأول، الذي شهد تثبيت النصوص الدينية والفقهية، جرى في ظل سياقات سياسية واجتماعية محددة، مما أثر على النصوص والتفسيرات التي أصبحت لاحقاً مرجعاً غير قابل للنقاش. يدعو الجابري إلى ما يسميه "عهد تدوين ثاني"، حيث يتم إعادة قراءة هذه النصوص بطريقة نقدية تتماشى مع متطلبات العصر الحديث.
 
 تلك أسئلة تبقى مفتوحة، تدعونا للتفكير والتأمل، وربما لإعادة صياغة فهمنا لتاريخنا وهويتنا. وفي هذا السياق، يبقى معاوية بن أبي سفيان شخصية محورية، تستحق دراسة متأنية ومراجعة موضوعية، بعيداً عن التمجيد المطلق أو الإدانة الشاملة. إن إعادة تقييم دور معاوية قد تفتح الباب لفهم أعمق وأكثر تعقيداً لتاريخنا الإسلامي المبكر وتطور نظم الحكم فيه.
 —-
 وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

11 دقيقة قراءة

الكاتب

اينشتاين السعودي

@SaudiEinestine

مشاركة المقالة عبر

Leaving SaudiEinstein Your about to visit the following url Invalid URL

Loading...
تعليقات


Comment created and will be displayed once approved.

مقالات مقترحة

جميع المقالات

© جميع الحقوق محفوظة ٢٠٢٤